معتقلي الرأي

سحق النشاط الحقوقي في السعودية.. جمعية حسم نموذجا

أبرزت منظمة سند لحقوق الإنسان ما يمارسه النظام السعودي من سحق للنشاط الحقوقي في المملكة مدللة على ذلك بقضية جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية “حسم“.

وتعد جمعية حسم أشهر جمعية حقوقية مدنية في السعودية وهي نتاج مبادرة قامت بها مجموعة من 15 شخصية من مختلف التوجهات، بهدف الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية لشعب المملكة.

وما كان يميز هذه المجموعة ومشروعها، هو التركيز ووضوح الهدف والسعي بكل ما أوتوا للوصول إليه. كانت “حسم” بمثابة شوكة في حلق الحكومة السعودية، كما أدانت مراراً ممارسات السلطات السعودية وانتهاكاتها فيما يتعلق بالاعتقال.

وركز أعضاء الجمعية في انتقاداتهم تحديداً على وزارة الداخلية والمباحث، والتي كانت تمثل رأس الحربة في إرهاب الشعب وتخويفهم من المطالبة بأية حقوق أو حتى الدفاع عن أنفسهم من انتهاكات تلك المؤسسات الأمنية وتغولها.

ولطالما تمتعت العناصر الأمنية السعودية بصلاحيات واسعة تمكنهم من اعتقال على كل من يشتبه به وتعذيبه مع الإفلات من العقاب أو المحاسبة.

كما لا يقتصر استخدامهم للصلاحيات في التعامل مع المشتبه بهم في قضايا الإرهاب وحسب، بل ضد كل منتقد للسلطات سواء كانت أمنية أو حتى الجهات المدنية.

وقد وقفت حسم بشكل صارم ضد استغلال قوانين ”مكافحة الإرهاب“ وتوسيع الغطاء القانوني إلى مجرد الانتقاد السلمي للسلطات وتصنيف أصحابه كمجرمين ضد الدولة.

ولذلك كان رد السلطات السعودية قاسياً ووحشياً ضد ”حسم“ بشكل خاص، كما هو الحال مع كل المبادرات الحقوقية المدنية والتي انتهى أصحابها بين سجين وقتيل في سجون السلطة.

وفي الذكرى الثانية لوفاة د. عبد الله الحامد، أحد أبرز الإصلاحيين في السعودية، وأحد المؤسسين لجمعية ”حسم“، فتحت ”سند“ ملف القضية من جديد لتسلط الضوء على أبطال الجمعية والذين دفعوا أزهار أعمارهم وسمعتهم في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان في بلد الاستبداد، ولينعم جيل المستقبل ببلد يحترم الحقوق والحريات.

تأسيس حسم

تأسست جمعية الحقوق المدينة والسياسية في السعودية ”حسم“ في 12/10/2009 من قبل مجموعة من الأكاديميين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

وقد جاء في بيانها التأسيسي أن السبب من وراء إنشائها هو ما تتعرض له حقوق الإنسان الأساسية من انتهاكات خطيرة في البلاد، والتي تزداد منذ حرب الخليج.

ونظراً لازدياد وعي الناس بحقوقهم، زادت القمع الحكومي في مقابل ذلك، فساقت آلاف الشباب إلى السجون.

كما تضيف ”حسم“ في بيانها أنه بسبب قمع العمل السلمي الذي تجلى بـ(مذكرة النصيحة) و(خطاب المطالب) و(إنشاء لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية) ظهر العنف في البلاد على شكل تفجيرات في الرياض والخبر.

وأنه عندما تفردت الحكومة دون تفويض ومشاركة من المجتمع بالسياسة والقرارات المصيرية على المستوى الداخلي والخارجي جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتبعاتها والعلاج، بحسب ”حسم“، هو أن بإنشاء أحزاب وتجمعات سياسية، وممارسة نشاطها علنا، تحت شعاع الشمس والهواء.

تهدف ”حسم“ إلى التأكيد على ضمانات الحقوق الأساسية للإنسان، المدنية والسياسية. كما سعت للدعوة السلمية إلى ”الملكية الدستورية“ والقضاء المستقل والبرلمان المنتخب وضمان حرية التقاضي العادل في البلاد.

كما عملت حسم بشكل جاد على توثيق قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد، ودعم المتضررين في مقاضاة المسؤولين، وتمكينهم من التواصل مع المنظمات الحقوقية غير الحكومية وتوعيتهم بالإجراءات اللازمة.

خطاب الملك

قامت ”حسم“ بإرسال خطاب مباشر إلى الملك عبد الله في أكتوبر 2010 تطلب الإذن بإنشاء جمعية تهتم بثقافة المجتمع المدني وحقوق الإنسان، كالحرية والعدل والمساواة والمواطنة والتعددية والشورى وتفعيل دور المرأة، وإيثار الأسلوب السلمي ونبذ العنف، والتسامح والحوار عند الاختلاف، والشفافية والنزاهة والإنصاف.

وذلك من أجل نشر ثقافة المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وتأصيلها إسلامياً وتوطينها، باعتبارها الحل الوحيد لدرء جميع أشكال العنف والتطرف.

وقد كانوا بانتظار صدور نظام الجمعيات الأهلية ليبلغوا نشاطهم بشكل رسمي ونظامي، ولكنهم اضطروا لمخاطبة الملك مباشرة عبر خطاب معلن لأن نظام الجمعيات الأهلية تمت إعاقته من جهات عليا في الدولة لإيقاف وتعطيل النشاط الحقوقي في البلاد وسد الطريق عليه.

وقد ذكرت ”حسم“ في بيان تأسيسها أن ”الهدف من عدم تحديد جهة لتنظيم الجمعيات الأهلية هو وأد لحركة المجتمع المدني الأهلي نفسه“.

إضافة لذلك، تم إعاقة وترهيب الناشطين المدنيين والحقوقيين من إنشاء عدد من اللجان مثل (اللجنة الأهلية السعودية لحقوق الإنسان) في 2005، ومجموعة ما يسمى بـ”إصلاحيي جدة“ وغيرهما، حيث لم يتم تأخير الاستجابة لطلباتهم والتلاعب بها فحسب، بل سبق ذلك تحذير من مساعد وزير الداخلية، بأن الملك يأمر تلك المجموعات أن يتوقفوا عن طلبات إنشاء تلك الجمعيات المدنية من الأساس.

كما أشارت ”حسم“ في خطابها للملك بأن حق الدولة في الإشراف على تنظيم نشاط الجمعيات؛ لا يلغي حق الأفراد في إنشائها، فإذا نجح معوقو الإصلاح في تأخير نظام الجمعيات؛ فإن ذلك لا يلغي حق الأفراد في الإنشاء، لأن دور الحكومة هو التنظيم والتنسيق والإشراف، وليس إلغاء أساس الحق.

إضافة إلى أن معوقي الإصلاح لم يكتفوا بمنع النشاط الحقوقي المدني، بل لفقوا تهم الإرهاب على الناشطين الحقوقيين، مما يؤكد أن معوقي الإصلاح يستخدمون الدين وشعار محاربة الإرهاب، لا من أجل وأد حقوق الإنسان فحسب، بل من أجل تجريم دعاتها وتشويههم وخنقهم في غيابات السجون.

وختمت الجمعية خطابها الشهير إلى الملك عبد الله بأنه حين أعلن بنفسه أنه سيكون ظهيرا للعدل والحق في خطاب سابق له، فإنهم يرجون أن ينجح في تكريس الحق والعدل.

وأنهم لا يتطلعون إلى الموافقة والتأييد المعنوي فحسب، بل يتطلعون –أيضا–إلى تأييد مادي في سياق حملة الدولة على التطرف والعنف، لأن ذلك لا يكون دون تعزيز قيم العدل والشورى وحقوق الإنسان ووسائلها.

قمع حكومي

لكن الرد الحكومي لهذا الأمر لم يكن مبشراً، وقد ابتدأ القمع لجمعية ”حسم“ أوائل عام 2011 حين تم اعتقال الناشط البارز محمد البجادي، أحد الأعضاء المؤسسين في ”حسم“، بعد وقفة سلمية أمام مبنى وزارة الداخلية من قبل أسر المعتقلين.

وفي 2012 صدر الحكم بسجن البجادي 4 سنوات من خلال محاكمة تفتقد لأبسط معايير العدالة، حيث حرم من توكيل محام.

محاكمات أعضاء”حسم“

استمر مسلسل محاكمات أعضاء ”حسم“ لمدة طويلة وما زال مستمرا حتى الآن. وكعادة الأجهزة القضائية السعودية، فهي تعيد محاكمة من تشاء، وتزيد في أحكامهم، وقد تعتقلهم مرات أخرى حتى بعد إطلاق سراحهم وانتهاء محكومياتهم، مثلما حدث مع محمد البجادي وعمر السعيد.

وكانت جلسات محاكمات أعضاء”حسم“ دائما ما تتمتع بأصداء إعلامية في المجتمع لما كان فيها من نقاشات حادة بين أعضاء”حسم“ والقضاة.

وقد كان بعض هذه الجلسات مفتوحة للجمهور قبل أن تتحول المحاكمات إلى سرية بشكل تام.

بعد محاكمة الناشط محمد البجادي، ابتدأت محاكمات بقية أعضاء ”حسم“ بجلسات استماع لـ د. عبد الله الحامد ود. محمد القحطاني في منتصف ونهاية 2012، وصدر الحكم عليهما في مارس 2013 من قبل القاضي حماد العمر بالسجن لمدد 11 سنة للحامد و10 سنوات للقحطاني.

شملت لائحة التهم الموجهة ضدهما عدة تهم أبرزها: المشاركة في تأسيس جمعية غير مرخصة، والسعي إلى تقويض سياسات الدولة، وتحريض المنظمات الدولية ضد السعودية، وتعبئة الرأي العام ضد المؤسسات الأمنية وكبار المسؤولين باتهامهم بارتكاب انتهاكات عدة لحقوق الإنسان بما في ذلك القتل والتعذيب والاختفاء القسري.

ووصم حكومة السعودية بأنها دولة بوليسية، واتهام السلطة القضائية بالظلم، والتشكيك في نزاهة وتدين كبار العلماء الدينيين في البلاد، وإهانة المسؤولين في الدولة والتشكيك في نزاهتهم، والسعي إلى زرع الفتنة والانقسام في المجتمع، وغيرها.

كما طالب الادعاء العام “بعقوبة تعزيرية بليغة بما يكفل ردعهما، وبمنعهما من السفر“.

الانتهاكات

تعرض أعضاء جمعية ”حسم“، كغيرهم من الناشطين الحقوقيين والسياسيين في السعودية، إلى العديد من الانتهاكات والعوائق في سبيل دفاعهم عن حقوق الإنسان والمعتقلين بشكل خاص والسعي لمحاسبة السلطات عن جرائمها تجاه الموقوفين.

وأحد أشكال هذه الانتهاكات هي المنع من السفر أثناء وبعد المحاكمات الجائرة التي تعرضوا لها. حيث منعت وزارة الداخلية السعودية سفر جميع أعضاء المجموعة منذ لحظة تأسيس الجمعية.

وقد أدى هذا المنع الجائر إلى التسبب بوفاة أحد أعضائها، مهنا الفالح، والذي كان يرغب بالسفر للعلاج في الخارج. وبسبب تردي حالته الصحية وعدم حصوله على الرعاية الصحية المطلوبة في الداخل، فقد وافته المنية في 2011.

ولم يعلم بقية أعضاء الجمعية بقرار المنع من السفر إلا عبر المنافذ الحدودية ودون وجود إشعارات أو أوامر قضائية مسبقة لذلك، حيث يمكن الطعن أو التظلم بشأن هذه القرارات.

وتأتي قرارات المنع من السفر التعسفية هذه في سياق العقوبات الإدارية التي تفرضها السلطات على الناشطين كنوع من العقاب والتهديد بسبب نشاطهم الحقوقي.

ومن الانتهاكات التي تعرض لها أعضاء جمعية ”حسم“ باستمرار وحتى قبل اعتقالهم هي عمليات التشويه الإعلامية المنظمة للناشطين من أعضاء الجمعية، أو للمتعاطفين أو المحامين الذين تعاطفوا معها.

وتأتي حملات التشويه الحكومية للناشطين كمحاولة للضغط الاجتماعي عليهم والسعي لتقويض صورتهم الذهنية والعمل على تزييف أهداف هذه المجموعات الحقوقية وعملها، والزعم بأن هؤلاء الناشطين إنما يعملون من أجل منظمات خارجية أجنبية.

ومن أبرز الانتهاكات التي تعرضوا إليها هي عمليات الاعتقال التعسفي والعنيف، وقد كان يكفي استدعاء رسمي من قبل السلطات ليحضروا.

فقد أخفي معظم أعضاء الجمعية قسرياً لعدة أسابيع أو حتى أشهر قبل مثولهم للمحاكمة.

وكانت أبرز الانتهاكات، والتي ما تزال مستمرة بحق أعضاء حسم، هي وفاة الناشط الحقوقي الأبرز وأيقونة النضال السلمي في السعودية وأحد المؤسسين للجمعية، د. عبد الله الحامد، داخل معتقله في 2020. حيث كانت وفاته بسبب الإهمال الطبي المتعمد من قبل السلطات صدمة ومنعطفاً في النضال الحقوقي في البلاد.

وقد كان د. الحامد يعاني من عدد من الأمراض وقد حبست عنه الأدوية ولم يتم التعامل مع حالته الطارئة كما يجب.

وحملت منظمة سند السلطات السعودية كامل المسؤولية عن وفاة د. الحامد، والتي قد ترقى إلى جريمة قتل، نظراً للظروف التي كان يعاني منها والملابسات التي صاحبت اعتقاله عدة مرات بسبب نشاطه الحقوقي السلمي وحسب.

ودعت المنظمة إلى الإطلاق الفوري ودون قيود لجميع المعتقلين ومن ضمنهم أعضاء جمعية ”حسم“ المعتقلين حالياً وهم: د. عبد الرحمن الحامد، د. محمد القحطاني، د. عبد الكريم الخضر، محمد البجادي، عيسى الحامد، فوزان الحربي، عبد العزيز الشبيلي وعمر السعيد، والذين يقضون جميعا محكوميات بالسجن بسبب تعبيرهم عن رأيهم ودعوتهم لحماية حقوق الإنسان في البلاد، أو ممارستهم حقوقهم في إنشاء الجمعيات المدنية أو التجمع السلمي.

وحثت على تحقيق شفاف من قبل جهات مستقلة بوفاة د. عبد الله الحامد والذين توفي داخل معتقله بسبب الإهمال الطبي المتعمد. ومحاسبة المتسببين في هذه الجريمة البشعة.

كما طالبت برفع قيود حظر السفر أو التنقل عن جميع الناشطين بما فيهم أعضاء حسم، واحترام حقوق الإنسان في حرية التنقل والسفر.

ودعت منظمة سند إلى الإيقاف والإلغاء المباشر للأحكام القضائية والتهم بحق الناشطين الحقوقين بما فيهم أعضاء ”حسم“ الذين يعانون داخل المعتقلات بسبب هذه الأحكام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى