فضائح السعودية

السعودية بين التحالفات والحياد المعلن: كيف تحوّلت أراضيها إلى ساحة مخاطر مفتوحة؟

تواجه السعودية اختباراً حقيقياً لسياساتها الإقليمية، مع تصاعد التوتر في الخليج وتزايد الهجمات على البنية التحتية الحيوية ما حول أراضي المملكة إلى ساحة مخاطر مفتوحة، في وقت تواصل فيه الرياض الترويج لنهج “الحياد” كخيار استراتيجي.

غير أن الوقائع الميدانية تكشف أن هذا الحياد أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى واقع فعلي، في ظل ارتباط المملكة العميق بشبكات أمنية وعسكرية خارجية.

ولطالما قدّمت السعودية نفسها كركيزة استقرار في منطقة مضطربة، مستندة إلى مزيج من القوة الاقتصادية والتحالفات الدولية. ومع اشتداد التصعيد الإقليمي، أعادت التأكيد على أن أراضيها لن تُستخدم كمنصة لشن عمليات هجومية، في محاولة للحفاظ على صورة “الفاعل المتوازن”.

لكن هذه الرواية تصطدم بواقع مختلف. فالمملكة تستضيف بنى تحتية عسكرية استراتيجية، وتُعد شريكاً رئيسياً في منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، سواء عبر القواعد العسكرية أو أنظمة الدفاع أو التنسيق الاستخباراتي. هذا الارتباط يجعلها عملياً جزءاً من معادلة الصراع، حتى وإن حاولت سياسياً النأي بنفسها عنه.

وتكشف الهجمات الأخيرة في الخليج هشاشة هذا التوازن. فاستهداف المطارات ومنشآت الطاقة والبنية التحتية أظهر أن الفصل بين “المدني” و”العسكري” بات وهماً في بيئة مشبعة بالأصول الاستراتيجية. وفي الحالة السعودية، حيث تنتشر منشآت النفط والمرافق الحيوية بالقرب من مناطق سكنية، تصبح المخاطر مضاعفة.

والمفارقة أن السعودية، وهي تسعى لتقليل انكشافها المباشر، تجد نفسها أكثر عرضة للاستهداف بسبب عمق انخراطها غير المعلن. فالقواعد العسكرية الأجنبية، وشبكات الدعم اللوجستي، والتعاون الدفاعي المكثف، كلها تجعل أراضيها جزءاً من بنك الأهداف في أي تصعيد.

هذا ما يمكن وصفه بـ”الحياد الانتقائي”: خطاب سياسي يعلن الابتعاد عن الصراع، مقابل واقع أمني يرسّخ الانخراط فيه. والنتيجة أن كلفة هذا التناقض لا تتحملها الدولة كمؤسسة، بل تنتقل إلى المدنيين.

وتتجلى هذه الكلفة بشكل خاص لدى الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها العمالة الوافدة وذوو الدخل المحدود، الذين يعيشون غالباً بالقرب من المناطق الصناعية والمرافئ ومنشآت الطاقة. هؤلاء يجدون أنفسهم في قلب مناطق الخطر دون أن يكون لهم أي دور في صناعة القرار أو حتى أدوات للمطالبة بالحماية.

ولا يتعلق الأمر فقط بالمخاطر الأمنية، بل أيضاً بغياب الشفافية. فالمجتمع لا يمتلك معلومات كافية حول طبيعة الشراكات العسكرية أو حجم الوجود الأجنبي أو مستوى المخاطر المرتبطة بها. هذا الغموض يحوّل السياسات الأمنية إلى قرارات فوقية، بينما يتحمل المواطنون والمقيمون تبعاتها دون مشاركة أو مساءلة.

وتدرك الرياض أن تحالفاتها الدولية، خاصة مع واشنطن، توفر لها مظلة ردع مهمة، لكنها في الوقت نفسه تضعها في موقع حساس ضمن صراع إقليمي متشابك. فكلما تعمق هذا الارتباط، تراجعت قدرة المملكة على الادعاء بأنها خارج دائرة الاستهداف.

الأخطر أن الرهان على القوة الاقتصادية وحدها لم يعد كافياً لحماية الداخل. فالهجمات الأخيرة أظهرت أن البنية التحتية الحيوية، مهما كانت متطورة، تظل عرضة للتهديد في بيئة إقليمية متوترة.

في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن للسعودية الاستمرار في الجمع بين تحالفات عسكرية عميقة وخطاب حياد سياسي دون أن تدفع ثمناً داخلياً؟

الإجابة التي تفرضها الوقائع تميل إلى النفي. فالحياد ليس إعلاناً دبلوماسياً، بل منظومة متكاملة تتطلب استقلالية في القرار الأمني، وتقليص الاعتماد على القوى الخارجية، وإعادة توزيع الأصول العسكرية بعيداً عن المناطق المدنية.

كما يتطلب الأمر سياسات واضحة لحماية السكان، تشمل خطط طوارئ فعالة، وتوزيعاً عادلاً للبنية التحتية، وضمان عدم ترك الفئات الهشة في مواجهة المخاطر دون دعم.

في المقابل، استمرار النهج الحالي يعني ترسيخ معادلة خطرة: تحالفات خارجية تمنح الدولة نفوذاً سياسياً، لكنها في الوقت ذاته توسّع دائرة المخاطر على الداخل.

وتكشف الأزمة الراهنة أن السعودية لم تعد قادرة على الاكتفاء بإدارة التوازنات، بل أصبحت مطالبة بإعادة تعريف موقعها في الإقليم. فإما أن تتحول إلى فاعل مستقل يضبط تحالفاته وفق مصالحه الأمنية الداخلية، أو تستمر في سياسة “الحياد الانتقائي” التي قد تجعل استقرارها الداخلي رهينة لصراعات لا تملك السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى