واشنطن بوست: تزايد مؤشرات التطبيع علنا بين السعودية وإسرائيل تحت غطاء البرنامج النووي
كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تزال تتمسك بشرط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل قبل المضي قدماً في اتفاق التعاون النووي المدني مع الرياض، في خطوة تبرز ارتباط المشروع النووي بالمساعي الأميركية لتوسيع اتفاقيات أبراهام، رغم استمرار الموقف السعودي المعلن الذي يشترط مساراً واضحاً لإقامة دولة فلسطينية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية تأكيده استمرار شرط التطبيع، بعدما أعلنه ترامب في يوليو الماضي. ويكشف الإصرار الأميركي على هذا الربط عن مسار دبلوماسي معلن يسعى إلى استخدام التعاون النووي والحوافز الاقتصادية لتعزيز فرص إقامة علاقات رسمية بين الرياض وتل أبيب، لكنه لا يثبت أن السعودية وافقت على التطبيع أو تراجعت عن شروطها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
وأفادت الصحيفة بأن وثائق سرية قُدمت إلى الكونغرس تضمنت تقييماً لأجهزة الاستخبارات الأميركية يشير إلى أن السعودية لم تستبعد خيار تطوير أسلحة نووية، ما أثار مخاوف مشرعين من أن يتحول الاتفاق المدني إلى مدخل لامتلاك قدرات يمكن استخدامها مستقبلاً لأغراض عسكرية.
وتأتي هذه المخاوف بينما يخضع الاتفاق لمراجعة الكونغرس، وسط خلافات بشأن شروط تخصيب اليورانيوم والضمانات الرقابية المرافقة له.
وأثار الاتفاق جدلاً إضافياً بعدما كشفت تفاصيله عن إمكانية السماح بتخصيب اليورانيوم داخل السعودية مستقبلاً، خلافاً لاتفاقات نووية أميركية سابقة فرضت قيوداً أكثر صرامة على الدول التي لا تمتلك منشآت تخصيب.
وذكرت الصحيفة أن الاتفاق يقيد التخصيب مبدئياً بنسبة تقل عن 5 في المائة، لكنه يتيح رفعها إلى نحو 20 في المائة بعد دراسة إضافية واتفاق مكتوب، الأمر الذي أثار اعتراضات مشرعين وخبراء في منع الانتشار النووي، بالنظر إلى حساسية امتلاك قدرات التخصيب وإمكانية استخدامها لأغراض غير مدنية.
وحذر أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، بينهم إد ماركي وجيف ميركلي، من أن الإدارة الأميركية تقدم تنازلات غير مسبوقة للرياض، معتبرين أن السماح بإنتاج الوقود النووي محلياً، بدلاً من استيراده، يفتح الباب أمام مخاطر أمنية يصعب احتواؤها مستقبلاً.
وانتقد ميركلي اعتماد واشنطن على التعهدات السعودية، داعياً إلى فرض قيود واضحة على التخصيب وإعادة المعالجة، وإخضاع البرنامج لعمليات تفتيش دولية واسعة النطاق.
وتتركز اعتراضات أخرى على غياب إلزام السعودية بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يتيح إجراءات تحقق موسعة، وسط مخاوف من صعوبة الكشف عن أي أنشطة نووية غير معلنة.
في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن الاتفاق سيمنع انتشار الأسلحة النووية ويضمن خضوع أي نشاط سعودي حساس لضوابط أميركية، إلى جانب إتاحة عقود بمليارات الدولارات للشركات الأميركية، وتقليص فرص دخول روسيا والصين إلى قطاع الطاقة النووية السعودي.
وتؤكد الرياض أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية وتنويع مصادر الطاقة، بينما سبق لولي العهد محمد بن سلمان أن أعلن عام 2018 أن المملكة ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا طورت إيران قنبلة نووية، وهو تصريح يستند إليه معارضو الاتفاق للتحذير من احتمالات سباق تسلح إقليمي.
وفي موازاة الجدل النووي، تبرز إسرائيل طرفاً أساسياً في الحسابات الأميركية المرتبطة بالصفقة. ويضع هذا التطور السعودية أمام مسارين متداخلين: الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية التي تسعى إليها، والتعامل مع المطالب الأميركية المتجددة بإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.
ولا يزال التباين قائماً بين هذا الشرط وموقف الرياض المعلن بشأن ضرورة وجود مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية، في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية لهذا التوجه.
وتتزامن هذه الخلافات مع تحركات داخل الكونغرس لعرقلة الاتفاق، ومطالبات بكشف تفاصيله السرية وتوضيح مدى ارتباطه بالتطبيع. ويأمل مشرعون ديمقراطيون في حشد الدعم اللازم لرفض الصفقة خلال فترة المراجعة البرلمانية، غير أن تجاوز أي اعتراض رئاسي محتمل يتطلب أغلبية معززة يصعب ضمانها.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن الشركات الأميركية ستكون في موقع متقدم للفوز بعقود ضخمة داخل المملكة، وأن توسيع التعاون النووي سيعزز الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض، ويحد من فرص المنافسين الصينيين والروس.
في المقابل، يحذر المعارضون من أن المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية المحتملة لا تبرر تخفيف القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، خصوصاً في منطقة تشهد توترات عسكرية متواصلة ومخاوف متزايدة من انتشار الأسلحة النووية.
وبذلك، لم يعد الاتفاق النووي السعودي الأميركي محصوراً في التعاون بمجال الطاقة، بل أصبح جزءاً معلناً من المفاوضات السياسية بشأن العلاقات السعودية الإسرائيلية. وبين تمسك واشنطن بشرط التطبيع، والتحفظات السعودية المعلنة، والمخاوف من انتشار التكنولوجيا النووية الحساسة، يظل مستقبل الصفقة مرتبطاً بتسوية خلافات تتجاوز أهدافها الاقتصادية والتقنية.
