الفشل والتخبط يلاحقان رؤية 2030 مع دخولها عقدها الثاني

يلاحق الفشل والتخبط رؤية 2030 الاقتصادية مع دخولها عقدها الثاني في وقت تجد السعودية نفسها أمام مرحلة مراجعة استراتيجية شاملة، في ظل ضغوط مالية متزايدة وتقلبات في سوق النفط، دفعت صناع القرار إلى إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية وتأجيل أو تقليص عدد من المشاريع الكبرى.
وكان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أعلن في عام 2016 خطة طموحة تهدف إلى تقليل اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط، وفتح آفاق جديدة للتنمية عبر تنويع مصادر الدخل.
وخلال العقد الماضي، شهدت المملكة تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، شملت زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتراجع معدلات البطالة، وتقلص دور المؤسسات الدينية في الحياة العامة.
غير أن الهدف الأساسي المتمثل في فك الارتباط مع النفط لا يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ أظهرت التطورات الأخيرة استمرار ارتباط الأداء الاقتصادي والإيرادات الحكومية بأسعار الطاقة.
فبعد الطفرة التي شهدتها أسعار النفط في عامي 2021 و2022، والتي عززت الإيرادات، أطلقت الحكومة سلسلة من المشاريع الضخمة ذات الطابع الاستعراضي، شملت مدينة تزلج جبلية، وناطحة سحاب عملاقة على شكل مكعب، إضافة إلى استثمارات رياضية بارزة.
ومع تراجع أسعار النفط لاحقًا، بدأت الضغوط المالية بالظهور، ما دفع الجهات المعنية إلى مراجعة تلك المشاريع. وتشير المعطيات إلى إلغاء بعض الخطط وتأجيل أخرى، إلى جانب تقليص مشاريع تبين أن تكلفتها تفوق العوائد المتوقعة منها.
كما ساهمت التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب على إيران التي أثرت على صادرات النفط عبر مضيق هرمز، في زيادة الضغوط على الاقتصاد السعودي.
وفي هذا السياق، أعلن صندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، عن استراتيجية جديدة تركز على الكفاءة وترشيد الإنفاق.
وأوضح محافظ الصندوق ياسر الرميان أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تقييم شاملة للمشاريع، مع التركيز على ما هو «ضروري» وتأجيل أو استبعاد المبادرات غير الأساسية.
وتزامن ذلك مع تقارير عن احتمال سحب الدعم من بعض المشاريع، من بينها دوري «LIV Golf»، إضافة إلى إعادة النظر في مشاريع بارزة مثل «تروجينا» و«المكعب». كما تم تأجيل استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 التي كانت مقررة في تروجينا، في خطوة تعكس حجم التحديات المالية والتنظيمية.
ويرى محللون أن هذه المراجعة تعكس فجوة بين الطموحات الكبيرة والقدرات المالية الفعلية، حيث سجلت الميزانية السعودية عجزًا في معظم السنوات الماضية، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه في المدى القريب. وعلى الرغم من محاولات الحكومة تنويع الإيرادات عبر الضرائب والرسوم، فإن النفط لا يزال يشكل العامل الحاسم في تحديد مستوى الإنفاق العام.
وأشار خبراء اقتصاديون إلى أن التوسع في المشاريع خلال فترة ارتفاع أسعار النفط تجاوز في بعض الأحيان القدرة التمويلية، ما جعل إعادة التقييم خطوة ضرورية لضمان الاستدامة المالية.
كما أكد المسؤولون أن الحرب والتوترات الإقليمية لعبت دورًا إضافيًا في دفع هذا التحول، عبر زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وعلى الرغم من تقليص بعض المشاريع، تواصل المملكة الاستثمار في قطاعات استراتيجية، من بينها الذكاء الاصطناعي وصناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى الاستعداد لاستضافة فعاليات عالمية كبرى مثل معرض «إكسبو 2030» وكأس العالم لكرة القدم 2034. ويؤكد المسؤولون أن هذه المشاريع تمثل أولوية نظراً لعوائدها المتوقعة وتأثيرها طويل الأمد.
وقد سجلت وزارة المالية السعودية عجزًا في الميزانية في جميع السنوات العشر الماضية تقريبًا باستثناء سنة واحدة، وتتوقع استمرار ذلك لعدة سنوات قادمة.
بموازاة ذلك تواجه المشاريع الكبرى التي تضمنتها رؤية 2030 فشلا ذريعا. وفي حالة «نيوم» — المنطقة المستقبلية المستوحاة من أدبيات الخيال العلمي والمخطط لها على ساحل البحر الأحمر — تم تهجير مجتمعات بأكملها لإفساح المجال أمام أعمال بناء قد لا تتحقق أصلًا.
ويبرز مراقبون أنه من دون شفافية، تصبح إعادة التقييم مجرد كلمة أخرى للمراوغة وسط تساؤلات من سيحاسَب على الأموال العامة المهدرة. وفي دولة تكاد كل المشاريع والمبادرات فيها تخضع لإشراف رجل واحد، فإن دوافع تغيّر الاتجاهات ليست واضحة دائمًا.
ومع ذلك، واصل صندوق الثروة السيادي الاستثمار بكثافة في ألعاب الفيديو. وفي سبتمبر الماضي، أُعلن أن الصندوق سيستثمر إلى جانب جاريد كوشنر في صفقة استحواذ بقيمة 55 مليار دولار على شركة إلكترونيك آرتس.
ومن بين مجالات التركيز الرئيسية الأخرى للمملكة في السنوات المقبلة: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتنفيذ خطط استضافة معرض إكسبو العالمي 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034.
لكن المحللين يقولون إنه إذا ارتفعت إيرادات النفط مرة أخرى، فقد تتبعها موجة جديدة من المشاريع الكبرى ويشيرون إلى أنه بعد عشرة أعوام، ما زال الأداء الاقتصادي والإنفاق العام مرتبطين بالنفط. وليس من السهل كسر هذا الرابط.




