متفرقات سعودية

السعودية تصعد حربها على حرية التعبير وتلاحق المعارضين إلكترونياً

كشفت وثائق وبيانات حقوقية عن تصعيد جديد في حملة السلطات السعودية ضد حرية التعبير، بعد مطالبة النيابة العامة بحجب حسابات معارضين سعوديين على منصة إكس بشكل نهائي خلال 48 ساعة، في خطوة تعكس اتساع سياسة الرقابة والملاحقة الرقمية التي تنتهجها الرياض بحق الأصوات المنتقدة في الداخل والخارج.

وبحسب نص قرار شاركته منصة “إكس”، طالبت النيابة العامة السعودية بحجب وصول المستخدمين داخل المملكة إلى نحو 10 حسابات لمواطنين سعوديين يقيمون خارج البلاد، بزعم ارتكابهم “جريمة إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام”.

وتأتي الخطوة في إطار توجه جديد تسعى من خلاله السلطات السعودية إلى فرض شكل من أشكال الحجب الجزئي على منصة “إكس”، عبر تقييد الوصول إلى حسابات المعارضين تحديدًا بدلًا من حظر المنصة بالكامل.

وقد خصصت وزارة الداخلية السعودية فريقًا يعمل بشكل مباشر تحت إشراف ولي العهد محمد بن سلمان، مع ميزانية مستقلة تهدف إلى السيطرة على الخطاب العام وإدارة الرقابة الرقمية، بعد تراجع فعالية ما يعرف بـ”الذباب الإلكتروني” واللجان الإلكترونية الموالية للسلطات.

ويرى ناشطون أن هذه الإجراءات تكشف حجم القلق الرسمي من اتساع مساحة النقد عبر المنصات الرقمية، خصوصًا مع تزايد اعتماد السعوديين في الخارج على الحسابات المجهولة أو غير المعلنة الهوية.

وأشار معارضون إلى أن الغالبية الساحقة من النشطاء السعوديين المقيمين خارج المملكة لا يستخدمون هوياتهم الحقيقية على الإنترنت، ما يجعل سياسات الحجب والاستهداف المباشر محدودة التأثير عمليًا.

ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع تقرير حقوقي جديد سلط الضوء على الواقع المتدهور لحرية الصحافة والتعبير في السعودية، رغم الخطاب الرسمي الذي يروج لصورة “الإصلاح والانفتاح”.

وأكد التقرير المشترك الصادر عن منظمة القسط لحقوق الإنسان ومركز الحقوق التطبيقية في جامعة جامعة يورك أن الفجوة تتسع بين الصورة التي تحاول السلطات السعودية تسويقها خارجيًا وبين الواقع الذي يعيشه الصحفيون والكتّاب والأكاديميون داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن المجال العام في السعودية يخضع لرقابة ومراقبة مشددتين، فيما يهيمن الخوف من العقاب على النشاط الإعلامي والحقوقي، حتى في حالات التعبير المعتدل أو غير المباشر.

وأشار إلى أن حرية الصحافة تكاد تكون “منعدمة عمليًا”، بسبب اتساع منظومة الرقابة التي تدفع الأفراد إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة خوفًا من الملاحقة الأمنية أو القضائية.

كما أكد التقرير أن القيود لم تعد تقتصر على وسائل الإعلام التقليدية، بل امتدت بصورة مكثفة إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تخضع لمراقبة دقيقة من قبل السلطات.

وأضاف أن أي تعليق أو نشاط إلكتروني قد يؤدي إلى عواقب تشمل الاعتقال أو حظر السفر أو الفصل من العمل أو أشكال متعددة من الترهيب والمضايقات.

واتهم التقرير السلطات السعودية باستخدام قوانين فضفاضة، مثل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام مكافحة الإرهاب، لتجريم التعبير السلمي وتصنيفه ضمن قضايا الأمن الوطني.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى استمرار احتجاز عدد من الصحفيين والمدونين رغم انتهاء مدد أحكام بعضهم، بينهم الصحفية مها الرفيدي.

كما تحدث عن الرسام السياسي محمد الغامدي، الذي يقضي حكمًا بالسجن لمدة 23 عامًا، إضافة إلى المدون التقني أسامة خالد المحكوم بالسجن 14 عامًا.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن المفرج عنهم يواجهون قيودًا مستمرة تشمل حظر السفر والمراقبة الإلكترونية والتضييق المهني، ما يحدّ من قدرتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية.

وسلط التقرير الضوء على قضية الصحفي السعودي تركي الجاسر، الذي أُعدم في يونيو/حزيران 2025 بعد سنوات من الإخفاء القسري، معتبرًا أن القضية تمثل مؤشرًا خطيرًا على تصاعد مستوى القمع ضد الأصوات الناقدة.

وأكدت المنظمتان أن الجاسر كان يكتب بشكل سلمي حول قضايا عامة مثل الفساد وحقوق المرأة، لكن السلطات تعاملت مع كتاباته باعتبارها تهديدًا سياسيًا.

واعتبر التقرير أن هذه القضية تعكس استعداد السلطات السعودية لاتخاذ “إجراءات قصوى” ضد المعارضين، ضمن حملة أوسع تشمل إصدار أحكام مشددة وتنفيذ إعدامات، خاصة بحق الفئات المهمشة والمعارضين السياسيين.

وأضاف أن المناخ السائد في المملكة جعل العمل الصحفي وتوثيق الانتهاكات أو مناقشة قضايا المساءلة أمرًا محفوفًا بالمخاطر، في ظل غياب الضمانات القانونية واستقلالية المؤسسات.

وشدد التقرير على أن حرية التعبير ليست امتيازًا تمنحه الدولة، بل حق أساسي، محذرًا من أن تقييدها بصورة ممنهجة يقوض فرص الشفافية والإصلاح الحقيقي داخل البلاد.

ودعت منظمة القسط ومركز الحقوق التطبيقية في جامعة يورك المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط أكثر فاعلية على السعودية لحماية الصحفيين وضمان احترام الحقوق الأساسية.

كما طالبتا بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين بسبب ممارستهم حقهم في التعبير، وإنهاء ما وصفته بالاضطهاد الممنهج للصحفيين والمدونين، وتوفير بيئة آمنة للعمل الإعلامي بعيدًا عن الانتقام والملاحقة الأمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى