غراهام يطمئن حلفاءه الإسرائيليين: لا خوف من «تطرّف» سعودي
الرياض تشتري الغطاء السياسي في واشنطن

في مشهد يعكس عمق التداخل بين المال والسياسة في العلاقات الأمريكية–السعودية، خرج السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليطمئن حلفاءه في الأوساط الإسرائيلية بأن السعودية لا تتجه، برأيه، نحو موقف «أكثر تطرفًا»، وذلك عقب لقاء جمعه بوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في واشنطن، ومكالمة هاتفية مع وزير الخارجية فيصل بن فرحان.
غراهام، الذي سبق أن هاجم الرياض وطالب بمحاسبتها على سجلها الحقوقي وسلوكها الإقليمي، بدا هذه المرة أكثر تصالحًا، بل ومطمئنًا، في تصريحات لصحيفة Jewish Insider.
وقال إنه بات «يفهم مخاوف السعوديين بشكل أفضل»، مؤكدًا أنه رغم «عدم ارتياحه لبعض التصرفات السعودية»، لا يشعر بالقلق من أن المملكة تنزلق نحو تطرف إسلامي، كما يخشى البعض في المنطقة وداخل المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة.
غير أن هذا الخطاب التصالحي لا يمكن فصله عن سياق أوسع تحاول فيه الرياض ترميم صورتها في واشنطن، بعد سنوات من الانتقادات الحادة. فعبارة غراهام الشهيرة: «إذا كنتُ أنا راضيًا، فعليكم أنتم أيضًا أن تكونوا راضين»، بدت لكثيرين أقرب إلى شهادة حسن سلوك سياسية يمنحها سيناتور نافذ مقابل تعهدات سعودية غامضة، لا إلى تقييم موضوعي لمسار المملكة.
الأكثر دلالة كان حديث غراهام عن ولي العهد محمد بن سلمان، إذ قال: «إذا كان الرجل مستعدًا لإنفاق تريليون دولار لجعل السعودية وجهة مفضلة، فلا بد أنه ذكي بما يكفي ليدرك أن النموذج القديم للشرق الأوسط يجب استبداله».
ويرى مراقبون أن هذا الربط الصريح بين ضخ الأموال و«الذكاء السياسي» يسلّط الضوء على جوهر العلاقة: استثمارات هائلة تُستخدم كأداة لإعادة تدوير الشرعية الدولية، لا كدليل تلقائي على الاعتدال أو الإصلاح الحقيقي.
وتأتي تطمينات غراهام في وقت تتصاعد فيه تساؤلات حول سياسات الرياض الداخلية والخارجية؛ من استمرار التضييق على الحريات، إلى أدوار إقليمية مثيرة للجدل، وصولًا إلى محاولات تقديم «نسخة مُحدّثة» من الاعتدال تُرضي العواصم الغربية دون معالجة جذور الأزمات السياسية والحقوقية.
وفي هذا السياق، يبدو أن القلق الذي عبّر عنه غراهام سابقًا لم يُبدَّد بإصلاحات مؤسسية بقدر ما خفّ بفعل لقاءات مغلقة ورسائل تطمين.
كما تكشف هذه التصريحات عن ميل متزايد داخل واشنطن للفصل بين الخطاب العام والممارسة الفعلية: انتقادات حادة حين تشتد الضغوط الإعلامية، ثم تراجعات محسوبة عندما تحضر المصالح الاستراتيجية—من صفقات السلاح إلى الاستثمارات—إلى الطاولة. وهو ما يعزز الانطباع بأن «الاعتدال» المطلوب من الرياض يُقاس بمدى توافقها مع أولويات حلفائها، لا بمدى احترامها لمعايير ثابتة.
وبحسب مراقبين لا تبدو تصريحات غراهام شهادة براءة بقدر ما هي مؤشر على نجاح الرياض في إدارة علاقاتها داخل الكونغرس الأمريكي. فبدل الإجابة عن أسئلة جوهرية حول الحقوق والسياسات، تُقدَّم تطمينات لفظية تُسوَّق كتحول استراتيجي.
وبينما يطالب غراهام الآخرين بالاطمئنان لأنه «راضٍ»، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي رضا سيناتور نافذ لتبديد مخاوف حقيقية تتعلق بمسار دولة وسياساتها؟ أم أن ما يجري ليس سوى فصل جديد من شراء الوقت والغطاء السياسي في عاصمة القرار الأمريكي؟.




