متفرقات سعودية

تبخّر وعود بن سلمان: «ذا لاين» يتقلّص من مدينة المستقبل لمشروع مُجمَّد بالتحديات

روّج ولي العهد محمد بن سلمان لمشروع «ذا لاين» بوصفه قلب الثورة العمرانية في «رؤية السعودية 2030»، ونموذجًا عالميًا لمدن المستقبل الخالية من الانبعاثات، والقائمة على التكنولوجيا المتقدمة.

غير أن الوقائع المتراكمة خلال الأعوام الأخيرة تكشف مسارًا مختلفًا تمامًا: مشروع عملاق يواجه تقليصًا جذريًا في النطاق، وضغوطًا مالية خانقة، وتأخيرات زمنية تقوّض السردية الرسمية التي أُحيط بها منذ الإعلان عنه عام 2021.

وعند إطلاقه، قُدِّم «ذا لاين» كمدينة خطية تمتد لمسافة 110 أميال في شمال غرب المملكة، وبتكلفة تقديرية تقارب 500 مليار دولار، على أن تستوعب نحو 9 ملايين نسمة.

والمشروع، الذي يشكّل أحد أعمدة تطوير «نيوم»، كان يُفترض أن يعيد تعريف مفهوم العيش الحضري عبر بنية عمودية، بلا سيارات، وباعتماد كامل على الطاقة المتجددة لتحقيق «صفر انبعاثات كربونية». لكن هذه الوعود بدأت تتآكل سريعًا مع تصاعد التحديات الاقتصادية والتمويلية.

وأفادت تقارير إعلامية، بينها تقارير لوكالة بلومبرغ، بأن السلطات السعودية أجرت مراجعة استراتيجية شاملة للمشروع في ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية وتقلب أسعار النفط وازدياد الضغط على الميزانية العامة.

وعلى الرغم من تأكيد «نيوم» في تصريح لبلومبرغ خلال يوليو/تموز أن «ذا لاين لا يزال أولوية استراتيجية»، فإن الوكالة نفسها كشفت أن نطاق المشروع جرى تقليصه بشكل كبير، مع توقعات باستيعاب أقل من 300 ألف نسمة فقط بحلول نهاية العقد الحالي، بدلًا من الملايين التي وُعد بها سابقًا.

ويمتد هذا التراجع فضلا عن الأرقام السكانية، إلى الجدول الزمني والتنفيذ الفعلي. فبدلًا من بناء مدينة كاملة خلال أقل من عقد، تشير تقارير إعلامية إلى أن ما قد يُستكمل بحلول عام 2030 لا يتجاوز 1.5 ميل من المشروع، في إطار تنفيذ مرحلي طويل الأمد، يتناقض مع الاندفاعة الدعائية التي رافقت الإعلان الأولي.

وأهمية «ذا لاين» لا تنبع فقط من حجمه، بل من رمزيته داخل رؤية 2030. فالمشروع يُقدَّم باعتباره ركيزة لتنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط، ومنصة لجذب الاستثمارات العالمية وتعزيز مكانة المملكة كقوة تكنولوجية وعمرانية.

غير أن العجز المتزايد في الميزانية وتحديات التمويل تطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الرياض على تنفيذ هذه الرؤية بالحجم والوتيرة المعلنين.

وتعكس الأرقام هذه المعضلة بوضوح. تقديرات «بلومبرغ إيكونوميكس» تشير إلى أن السعودية تحتاج إلى سعر نفط يبلغ نحو 96 دولارًا للبرميل لتحقيق التوازن في ميزانيتها، ويرتفع الرقم إلى 113 دولارًا لتمويل المشاريع العملاقة، في حين بلغ سعر الخام السعودي قرابة 55.60 دولارًا للبرميل في ديسمبر/كانون الأول. هذا الفارق الواسع يفسّر لجوء الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ومراجعة جدوى المشاريع الكبرى.

وتحولت تفاصيل التصميم نفسها من مصدر للإبهار إلى عبء عملي. فـ«ذا لاين» صُمّم بعرض 600 قدم وارتفاع 1,500 قدم، مع واجهات عاكسة تمتد عبر الصحارى والجبال وصولًا إلى البحر الأحمر.

غير أن الحكومة السعودية، وبحلول منتصف 2025، طلبت من شركات استشارية عالمية مراجعة قابلية هذه الخطط للتنفيذ واقتراح تعديلات محتملة، في إشارة واضحة إلى فجوة متزايدة بين الطموح النظري والواقع التنفيذي.

كما طالت إجراءات التقشف الهيكل الإداري للمشروع. فقد أفادت منصة «سيمافور» بأن «نيوم» خفّضت قوتها العاملة ونقلت أكثر من ألف موظف إلى الرياض في محاولة لخفض التكاليف وتحسين الإشراف المركزي، وهو ما يعكس ضغوطًا داخلية متزايدة لإعادة ضبط المشروع.

وشملت الانتقادات الجدوى الهندسية نفسها، إذ شكك خبراء في قطاع البناء منذ البداية في إمكانية تنفيذ مشروع بهذا الحجم خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل قيود عالمية تتعلق بإمدادات الفولاذ والخرسانة والعمالة المتخصصة.

ووصف الأكاديمي في كلية إمبريال كوليدج لندن، مايك كوك، المشروع بأنه «غير واقعي» زمنيًا، وقال لمجلة NCE إن تشييد «ذا لاين» بحلول 2030 كان سيتطلب وتيرة بناء تفوق المعدلات المعتادة في المملكة المتحدة بنحو 15 ألف مرة.

وحتى الأهداف الرمزية المرتبطة بالمشروع جرى تقليصها. فبعد الترويج لإنشاء ملعب رياضي أعلى ناطحة سحاب لاستضافة مباريات كأس العالم 2034، خُفّضت التوقعات السكانية من 1.5 مليون نسمة بحلول 2030 إلى أرقام متواضعة لا تعكس الرؤية الأصلية.

في المحصلة، يكشف مسار «ذا لاين» عن فجوة متسعة بين الخطاب الطموح الذي يقوده محمد بن سلمان والقدرات الاقتصادية والتنفيذية على الأرض.

فبينما لا تزال السلطات السعودية متمسكة بالمشروع نظريًا، تشير الوقائع إلى أن «مدينة المستقبل» تحوّلت إلى نموذج على حدود الطموح حين يصطدم بالواقع المالي والهندسي. وبدل أن يكون «ذا لاين» عنوانًا لتحوّل جذري في الاقتصاد السعودي، بات مثالًا على تبخّر الوعود الكبرى تحت ضغط الأرقام والحقائق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى