متفرقات سعودية

السعودية: تنمية بلا إنسان… كيف تُشيَّد الرفاهية على أجساد العمّال تحت شمس قاتلة؟

تُسوّق السعودية نفسها باعتبارها نموذجًا للتحديث السريع ومركزًا عالميًا للمشاريع العملاقة، من مترو الرياض إلى المدن الجديدة وشبكات النقل العابرة للصحراء.

غير أن هذه الصورة اللامعة تخفي واقعًا أكثر قسوة، تؤكده تقارير حقوقية دولية: اقتصاد يُدار بمنطق الرفاهية من الأعلى، فيما يُترك العمّال المهاجرون في مواجهة مباشرة مع حرارة قاتلة، وساعات عمل منهِكة، وحماية شكلية لا تصمد أمام الواقع.

وتشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن العمّال المهاجرين يشكّلون العمود الفقري لمشاريع البنية التحتية السعودية. هؤلاء ليسوا شركاء في “النهضة”، بل وقودها الصامت.

فقد وثق تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن العمّال في السعودية يعملون لساعات طويلة في درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، مع رطوبة عالية، ما أدى إلى حالات إغماء وتقيؤ وإرهاق حراري حاد في نمط متكرر في مواقع العمل المفتوحة.

وتبرز الصورة الأكثر فداحة في تقرير منظمة العفو الدولية حول مشروع مترو الرياض، أحد أبرز مشاريع “رؤية 2030”. التقرير استند إلى مقابلات مع 38 عاملًا من بنغلادش والهند ونيبال عملوا في المشروع بين عامي 2014 و2025.

وتكشف شهاداتهم عن منظومة استغلال تبدأ قبل وصولهم إلى السعودية. معظمهم أُجبر على دفع رسوم توظيف تتراوح بين 700 و3500 دولار، ما أدخلهم في دوامة ديون خانقة جعلت رفض الشروط المجحفة مستحيلًا.

وبعد الوصول، واجه العمّال واقعًا أكثر قسوة: أجور تقل عن دولارين في الساعة، وأكثر من 60 ساعة عمل أسبوعيًا، دون حماية صحية كافية.

وفي بيئة تصل فيها درجات الحرارة صيفًا إلى أكثر من 40 درجة مئوية، تتحول مواقع البناء إلى مساحات خطر دائم. بعض العمّال وصفوا العمل بأنه “كالجحيم”، حيث لا ظل كافيًا ولا وقتًا فعليًا للتعافي من الإجهاد الحراري.

وتعتمد السلطات السعودية على ما يُسمّى “حظر العمل وقت الظهيرة” كإجراء وقائي. لكن التقارير الحقوقية تؤكد أن هذا الإجراء أقرب إلى غطاء إعلامي منه إلى حماية حقيقية. فالحظر يقتصر على ساعات محدودة، بينما تستمر الحرارة المرتفعة طوال اليوم.

والأسوأ أن العمّال يُجبرون على تعويض ساعات التوقف بالعمل في أوقات أخرى، ما يبقي إجمالي التعرض للحرارة على حاله أو يزيده.

وبحسب منظمات حقوقية فإن الإرشادات الرسمية، مثل شرب الماء أو أخذ فترات راحة، لا تُطبق فعليًا في كثير من مواقع العمل.

كما يفتقر العمّال إلى آليات شكوى فعالة، ويخضعون لميزان قوى مختلّ يجعل أي اعتراض مخاطرة قد تنتهي بالفصل أو الترحيل. في هذه المعادلة، تصبح الصحة رفاهية غير متاحة لمن يُفترض أنهم يبنون رفاهية الآخرين.

وتؤكد المنظمات أن هذا الواقع لا يمكن فصله عن السياسات السعودية على المستوى الدولي.

ففي مؤتمر COP30، جرى تجاهل ملف خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى حد كبير، وسط تهديدات سعودية بإفشال المفاوضات إذا طالت قطاعاتها الطاقوية ما يعمّق الأزمة داخل السعودية نفسها، حيث تؤدي الانبعاثات وارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة المخاطر على العمّال في مواقع العمل المفتوحة.

والمفارقة صارخة: دولة تضخ مليارات الدولارات في مشاريع مستقبلية، لكنها تتعامل مع الكلفة البشرية بوصفها تفصيلًا ثانويًا. مشاريع كبرى تُشاد بسرعة قياسية، فيما تُدار سلامة العمّال بعقلية الحد الأدنى. ومع توسع خطط البنية التحتية، من شبكات النقل إلى المشاريع الصحراوية العملاقة، يتسع نطاق الخطر دون أن يقابله تطور مماثل في منظومة الحماية.

ولا تتحدث التقارير الحقوقية عن نقص تشريعات فقط، بل عن فجوة بين الخطاب والواقع. فالإصلاحات المعلنة لا تنعكس على الأرض، والرقابة تبقى محدودة، والمساءلة شبه غائبة. والنتيجة منظومة إنتاج تُراكم الإنجازات العمرانية، بينما تستنزف أجساد العمّال بصمت.

وعليه فإن السعودية التي تُبنى الرفاهية على نموذج تنموي يتجاهل الإنسان العامل حيث الحرارة القاتلة عنصرًا بنيويًا في بيئة العمل، والاستجابة الرسمية لا ترقى إلى حجم الخطر. وبينما تستمر الدولة في تسويق نفسها كقوة اقتصادية صاعدة، يبقى السؤال معلقًا: ما قيمة التنمية إذا كانت تُشيَّد فوق إنهاك البشر، وتحت شمس لا ترحم؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى