من أكبر شركة في المملكة إلى شركة غارقة بالديون: قصة انهيار مجموعة بن لادن

تحوّلت مجموعة بن لادن السعودية، التي كانت يومًا ما أكبر شركة للإنشاءات في المملكة وإحدى الدعائم الأساسية للتنمية والبنى التحتية، إلى كيان يكافح لتسديد ديونه ويجد نفسه تحت سيطرة شبه كاملة للسلطات الحكومية بعد سنوات من التراجع المالي والتدخلات المتتابعة في إدارتها.
وعلى مدى عقود، لعبت مجموعة بن لادن دورًا محوريًا في تنفيذ مشاريع ضخمة داخل السعودية وخارجها، من الطرق السريعة والمطارات إلى المشاريع الكبرى في المدن الاقتصادية والمرافق الدينية في مكة والمدينة.
وقد كانت الشركة توظّف أكثر من 100 ألف موظف في ذروتها ولها تأثير اقتصادي كبير، ليس فقط كمقاول منفذ للمشروعات الحكومية، بل كرافد مهم للبنية الاقتصادية للمملكة.
لكن منذ وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد وتبوّؤه موقع القوة الفعلية في السعودية، بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفًا.
فقد خطى ولي العهد خطوات واسعة نحو تركيز السلطة، شملت إدارة الشركات الكبرى والهيئات الاقتصادية، ومن بينها مجموعة بن لادن.
وقد تعثرت الشركة في السنوات الماضية بسبب عدد من العوامل، أبرزها تأخر سداد المدفوعات الحكومية لمشروعات ضخمة تتولاها المجموعة، وهو ما أثر سلبًا على سيولتها وقدرتها على تلبية الالتزامات المالية للبنوك والمقاولين.
كما أُلقي بظلال كثيفة بعد حادث سقوط رافعة في الحرم المكي عام 2015، الذي أسفر عن مقتل 107 أشخاص، ما أدّى إلى تجميد مشاركتها في بعض المشاريع الحكومية وإعادة تقييم تصنيفها كمقاول رئيسي.
ومع تراكم هذه الضغوط، لم تستطع الشركة الوفاء بالتزامات ديونها المتراكمة، التي قدرت بمليارات الريالات، مما دفعها إلى اتخاذ خطوات إعادة هيكلة صارمة.
وتضمنت هذه الخطوات تسوية بعض الديون مع الحكومة السعودية، وهو ما أدّى إلى زيادة حصة وزارة المالية في رأس مال الشركة إلى نحو 86.38٪، بعد تحويل الديون القائمة إلى أسهم.
وأعلن مجلس إدارة الشركة أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز المركز المالي للمجموعة ودعم خطط النمو المستقبلية وإعادة تنظيم العمليات، لكنها في الواقع تمثل انتقالًا شبه كامل للنفوذ والملكية من العائلة المؤسسة إلى الدولة.
ويعكس هذا التحوّل سنوات من الإشكالات المالية والإدارية التي عصفت بالشركة، وخاصة بعد أن توقفت عن المنافسة على عقود حكومية جديدة لفترات، وتعمّق تأثير ذلك مع تباطؤ قطاع البناء في المملكة وتراجع الإنفاق نتيجة انخفاض أسعار النفط.
كما واجهت الشركة تحديات في سداد مستحقاتها للبنوك، ما زاد من الضغوط عليها لإعادة تنظيم هيكلتها المالية.
ويرى محللون أن دخول وزارة المالية بنشاط في هيكلة رأس مال بن لادن يشير إلى رغبة الحكومة في الحفاظ على استقرار قطاع البناء الذي يُعد جزءًا حيويًا من استراتيجية رؤية السعودية 2030، خصوصًا مع المشاريع الضخمة المرتقبة مثل استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، والتي تتطلب بنية تحتية قوية وقدرة تنفيذية عالية.
كما أشارت تقارير إلى أن الحكومة قدمت قروضًا بمليارات الريالات للمجموعة لتخفيف حدة الأزمة المالية ودعمها في تغطية التزاماتها ودفع رواتب الموظفين، في محاولة لتعزيز الاستقرار المؤسسي في الشركة التي كانت تشكل جزءًا من النسيج الاقتصادي السعودي.
أرقام
لكن ما بدا استراتيجية إنقاذ يعكس في الواقع تحوّلًا جذريًا في ملكية الشركة وإدارتها، إذ باتت وزارة المالية المساهم الأكبر وتتحكم بمعظم قراراتها المالية والهيكلية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها جزء من عملية أوسع لإعادة توجيه الشركات الكبرى في السعودية نحو سيطرة الدولة وابتعادها عن الهيمنة العائلية التقليدية التي كانت سائدة في عقود سابقة.
ومع أن الحكومة تؤكد أن إعادة الهيكلة ستسهم في إحياء دور بن لادن كعملاق تشييد قادر على تلبية متطلبات المملكة المستقبلية، إلا أن الخلاف بين فترة كانت فيها الشركة رمزًا للنجاح الاقتصادي، وفترة جديدة يُسيطر عليها الدولة بعد تراكم الديون وأزمات الإدارة، يُمثل تحوّلًا دراماتيكيًا في تاريخ أكبر مجموعة إنشاءات في السعودية.



