فضائح السعودية

تطبيع خلف الأبواب المغلقة: رجل أعمال إسرائيلي–أمريكي ضيفًا على مؤتمر خاص في قلب الدرعية

حلّ رجل أعمال إسرائيلي–أمريكي ضيفًا على ما وُصف بـ“مؤتمر أعمال خاص” أُقيم في فندق باب سمحان في قلب الدرعية، أحد أكثر المواقع رمزية في التاريخ السعودي، في وقت لا تزال فيه المملكة تُعلن رسميًا رفضها للتطبيع مع إسرائيل وربط أي علاقة معها بقيام دولة فلسطينية.

الضيف هو دانييل فاربر، رجل أعمال ينشط في قطاع العقارات والتكنولوجيا، ويقيم بين القدس المحتلة ومدينة أسبن الأمريكية، ويضع العلم الإسرائيلي قبل الأمريكي على حساباته العلنية.

وقد نشر فاربر خلال زيارته للمملكة مجموعة من الصور والمقاطع المرئية، من بينها لقطات داخل أحياء سكنية سعودية، أبرزها مقطع لعائلة سعودية في حي السمحانية، ما أثار استغرابًا واسعًا حول طبيعة الزيارة وحدودها، والجهات التي سهلت له الوصول إلى هذه المساحات الخاصة.

ولم يخف فاربر طبيعة الزيارة ولا أهدافها، إذ كتب لمتابعيه الإسرائيليين أن “أسبوعًا طويلًا ومثمرًا” قضاه في الرياض، شارك خلاله في “وفد تجاري فريد من نوعه”. لكن اللافت لم يكن فقط حضوره، بل اللغة السياسية المباشرة التي استخدمها في توصيفه للسعودية وموقفها من إسرائيل.

وفي منشوراته، عبّر فاربر عن خيبة أمله مما وصفه بـ“ابتعاد التطبيع الحقيقي أكثر من أي وقت مضى”، معتبرًا أن السبب لا يعود إلى غياب الجدوى الاقتصادية، بل إلى “معارضة شعبية واسعة النطاق متجذرة في عقود من التضليل والدعاية”، في إشارة مباشرة إلى الرأي العام السعودي والعربي.

ولم يتردد في اتهام وسائل إعلام عربية، وعلى رأسها قناة الجزيرة، بلعب دور في “تشكيل خطاب عام قائم على الأكاذيب”، بحسب تعبيره.

الأخطر في تصريحات فاربر كان حديثه عن العلاقة غير المعلنة بين الرياض وتل أبيب. فقد قال إن السعودية “تعتبر إيران عدوها الرئيسي علنًا”، وإن وزراءها يحمّلون طهران وحزب الله والحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين مسؤولية زعزعة الاستقرار الإقليمي.

لكنه ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن إسرائيل هي من “تكبّدت التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية لإضعاف النفوذ الإقليمي لإيران”، بينما “تستفيد السعودية من هذا الواقع، لكنها ترفض الاعتراف به عبر التطبيع أو الشراكة”.

ويسلط هذا الخطاب، الصادر عن رجل أعمال أجنبي يحمل سجلًا عسكريًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، الضوء على مفارقة صارخة: كيف يُسمح لشخص بهذه الخلفية وبهذا الخطاب أن يُستقبل في مؤتمر أعمال خاص داخل موقع تاريخي سعودي، بينما يُلاحق في الداخل السعودي كل من يعبّر علنًا عن مواقف سياسية مستقلة أو ينتقد سياسات الدولة؟

إذ أن فاربر ليس شخصية هامشية أو “مستثمرًا عاديًا”. فهو مؤسس قمة PropTech360 للعقارات في تل أبيب منذ عام 2018، وشركته الأمريكية أعلنت صراحة دعمها لإسرائيل عقب أحداث 7 أكتوبر.

كما خدم سابقًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي في قاعدة تدريب لواء جولاني، ولا يخفي اعتزازه بهذه الخدمة، إذ ينشر سنويًا صور لقاءاته مع رفاقه في الخدمة وعائلاتهم “احتفالًا باستقلال إسرائيل وروح الزمالة”.

 

رغم ذلك، دخل الرجل إلى السعودية، وتنقّل، وحضر مؤتمرًا خاصًا، وخرج ليخاطب جمهوره الإسرائيلي بلهجة الوصيّ، منتقدًا “السياسة الداخلية السعودية” ومعتبرًا أن قادتها لم يحسموا خيار “مواءمة السياسة مع الاقتصاد”.

والقضية هنا لا تتعلق بشخص فاربر بقدر ما تتعلق بالرسالة التي تعكسها هذه الزيارة. فهي تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي السعودي المعلن، الذي يؤكد دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع، وبين ممارسات غير معلنة تفتح الأبواب لنخب إسرائيلية–أمريكية، حتى تلك المرتبطة مباشرة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وفي وقت تشهد فيه المنطقة حربًا مفتوحة على غزة، وتتصاعد فيه مشاعر الغضب الشعبي تجاه أي شكل من أشكال التطبيع، يبدو أن استضافة مثل هذه الشخصيات في مؤتمرات “خاصة” لا يمكن فصلها عن مسار أوسع من العلاقات الرمادية، التي تُدار بعيدًا عن أعين الرأي العام، لكنها تتكشف تباعًا عبر منشورات ضيوف لا يرون سببًا للصمت.

وإذا كان فاربر قد قال إنه “جاء متفائلًا وغادر متشائمًا”، فإن الأصح أن يقال إن زيارته غادرت السعودية تاركةً خلفها أسئلة محرجة: من دعا؟ من سمح؟ ولماذا يُفتح الباب لمثل هذا الخطاب، فيما يُغلق في وجه أي نقاش داخلي صادق حول مستقبل السياسة الخارجية للمملكة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى