السعودية تنقل صراعها مع الإمارات إلى أفريقيا وتُعيد إنتاج أزمات اليمن والسودان

كشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير تحليلي موسّع عن ملامح تصعيد سعودي متدرّج في شرق أفريقيا، معتبرة أن الرياض لم تعد تكتفي بإدارة صراعها غير المعلن مع دولة الإمارات في اليمن، بل باتت تنقل هذا التنافس إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، في خطوة تعكس فشلًا متراكمًا في سياساتها الإقليمية ومحاولة متأخرة لتعويض خسائر النفوذ.
وبحسب الصحيفة، تتعامل السعودية مع شرق أفريقيا اليوم باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، لا من منطلق شراكات تنموية مستقرة، بل بوصفه ساحة جديدة لمواجهة أبوظبي، التي سبقتها بسنوات في بناء نفوذ عسكري واقتصادي واسع في السودان وإثيوبيا والصومال.
وترى لوموند أن هذا التحرك السعودي لا يعكس رؤية استراتيجية متماسكة بقدر ما يكشف ارتباكًا ورغبة في اللحاق بنفوذ إماراتي ترسّخ بالفعل.
وأحد أبرز مؤشرات هذا التوجّه، وفق التقرير، ظهر في 7 يناير/كانون الثاني، حين كان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان يجري محادثات في واشنطن مع نظيره الأميركي ماركو روبيو حول أمن اليمن والسودان، بينما كان نائبه وليد بن عبد الكريم في بورتسودان، العاصمة الفعلية لحكومة الجنرال عبد الفتاح البرهان، في تحرّك مزدوج يعكس سعي الرياض للإمساك بخيوط الملف السوداني بعد سنوات من الاكتفاء بدور الوسيط.
وتنقل الصحيفة عن دبلوماسي غربي في شرق أفريقيا وصفه للسعودية بأنها «عملاق يستيقظ ببطء ولكن بثبات»، غير أن هذا “الاستيقاظ” – بحسب سياق التقرير – يأتي مدفوعًا بالخوف من تمدد الإمارات أكثر من كونه نابعًا من سياسة أفريقية مستقلة.
فالسعودية، التي غابت طويلًا عن القارة، تحاول الآن تثبيت موطئ قدم في مواجهة أبوظبي التي راهنت، وفق تعبير التقرير، على زعزعة استقرار دول أفريقية لبناء نفوذ طويل الأمد.
والصراع خرج إلى العلن بشكل غير مسبوق في 30 ديسمبر/كانون الأول على الساحة اليمنية، حين قصفت السعودية شحنة أسلحة قادمة من الإمارات ومتجهة إلى قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن تتهم أبوظبي علنًا بالتصرف «بشكل بالغ الخطورة».
وترى لوموند أن هذا التطور شكّل اعترافًا سعوديًا صريحًا بأن التحالف في اليمن تحوّل إلى ساحة صراع بين الحليفين السابقين.
في السودان، تبدو الرياض – بحسب الصحيفة – وقد تخلّت عمليًا عن خطاب الوساطة، لتنتقل إلى دعم طرف بعينه.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وخلال زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض، طلب شخصيًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل في الحرب السودانية، بل واقترح، وفق مجلة «الإيكونوميست»، فرض عقوبات إضافية على قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا.
ويعكس هذا التحول وفق التقرير، انحيازًا سعوديًا واضحًا لمعسكر الجنرال البرهان.
وتضيف لوموند أن استقبال البرهان في الرياض منتصف ديسمبر، والحديث عن تعاون دفاعي ودعم مالي للجيش السوداني، يؤكدان أن السعودية باتت طرفًا مباشرًا في النزاع، ما ينسف ادعاءاتها السابقة بالحياد.
كما تشير الصحيفة إلى أن هذا التموضع يضع الرياض ضمن محور يضم مصر وتركيا وقطر، في إعادة رسم للتحالفات الإقليمية لا تخلو من المغامرة.
وتربط الصحيفة هذه “الصحوة السعودية” بتطورات إقليمية مقلقة للرياض، أبرزها اعتراف إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 باستقلال “أرض الصومال” الانفصالية.
ورغم إدانة السعودية لهذه الخطوة، ترى لوموند أن القلق الحقيقي يكمن في تعميق التحالف الإسرائيلي–الإماراتي في جنوب البحر الأحمر، خاصة في ظل سيطرة أبوظبي على ميناء ومطار بربرة، واستخدامهما – بحسب وسائل إعلام سعودية – في عمليات أمنية حساسة.
وتلفت الصحيفة إلى أن السعودية تحاول اليوم تعويض إخفاقاتها السابقة في أفريقيا. فمجلس البحر الأحمر الذي أطلقته عام 2019 بقي كيانًا شكليًا، ومشروع القاعدة العسكرية في جيبوتي أُلغي، كما ظل منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون الأفريقية شاغرًا لسنوات، في مؤشر على غياب رؤية حقيقية تجاه القارة.
غير أن الرياض، وفق لوموند، بدأت تغيير نمط انتشارها مؤخرًا، بحصولها في أكتوبر 2025 على امتياز إدارة ميناء تاجورة في جيبوتي، في خطوة توصف بأنها رمزية أكثر من كونها استراتيجية.
وتنقل الصحيفة عن مصادر اقتصادية أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي تلقى تعليمات بأن يكون «أكثر جرأة» في أفريقيا، لا سيما في مجالي اللوجستيات والزراعة.
ويخلص التقرير إلى أن التحركات السعودية في شرق أفريقيا لا تعبّر عن تحول استراتيجي راسخ، بل عن محاولة متأخرة لاحتواء نفوذ إماراتي سبقها بأشواط، وعن ميل متزايد لتحويل أزمات اليمن والسودان إلى ساحات صراع مفتوحة جديدة، بما يهدد بمزيد من عدم الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.



