مسئول عسكري سعودي على شاشة إسرائيلية يكشف مسار التطبيع المتسارع

كشف ظهور مسئول عسكري سعودي متقاعد على شاشة إسرائيلية عن مستوى غير مسبوق من الانخراط الإعلامي والسياسي بين الرياض وتل أبيب، وتحولات عميقة في مقاربة السعودية لعلاقاتها الإقليمية، وسط تصاعد الانتقادات لمسار التطبيع ومحاولات إعادة صياغة أولويات المنطقة.
وأثار اللقاء الذي أجراه العميد السعودي المتقاعد حسن الشهري مع قناة إسرائيلية جدلاً واسعًا، بعد أن اختار مخاطبة الجمهور الإسرائيلي مباشرة من منبر إعلامي تابع للاحتلال، في خطوة تعكس انتقال الخطاب السعودي من القنوات غير المباشرة إلى الظهور العلني، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية تتجاوز مجرد مقابلة إعلامية.
وقد عكس مضمون التصريحات توجهًا واضحًا نحو تهيئة الرأي العام لتقبل فكرة الشراكة مع إسرائيل، حيث ركز الشهري على تصوير المنطقة في حالة تهديد مستمر، مع تحميل إيران مسؤولية عدم الاستقرار، في خطاب يتقاطع بشكل لافت مع الرواية الإسرائيلية، ما يطرح تساؤلات حول حدود التماهي بين الطرفين في توصيف المخاطر الإقليمية.
وأكد هذا الظهور أن الخطاب السعودي لم يعد يكتفي بانتقاد الخصوم الإقليميين، بل بات يسعى إلى بناء أرضية مشتركة مع إسرائيل، تقوم على فكرة “العدو المشترك”، وهو ما يُستخدم عادة كمدخل لتبرير التحالفات السياسية والأمنية، حتى وإن جاءت على حساب الثوابت التقليدية في السياسة العربية.
وبرز في تصريحات الشهري تأكيده أن “الهدوء الخليجي ليس ضعفًا”، في رسالة موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، في وقت يتجنب فيه الخطاب الرسمي السعودي التصريحات المباشرة حول التطبيع، ما يعكس ازدواجية في إدارة هذا الملف، بين خطاب داخلي حذر وخطاب خارجي أكثر انفتاحًا.
وذهب الخطاب أبعد من ذلك حين يتحدث عن “مستقبل مشترك” واتفاقيات شراكة تستفيد منها الأجيال القادمة، وهو طرح يعكس محاولة لتسويق التطبيع كخيار استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد خطوة تكتيكية مرتبطة بظروف إقليمية مؤقتة.
وتزامن هذا التوجه مع تحركات سياسية واقتصادية تشير إلى وجود مسار قيد البناء لربط المنطقة بمشاريع إقليمية تمر عبر إسرائيل، رغم إقرار الشهري نفسه بأن الوضع الأمني الحالي لا يسمح بتنفيذ هذه المشاريع، ما يعكس تناقضًا بين الطموحات المعلنة والواقع الميداني.
وكشف هذا المشهد عن سعي سعودي لإعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، يقوم على بناء تحالفات جديدة تتجاوز الإطار العربي التقليدي، في اتجاه يضع إسرائيل كشريك محتمل في منظومة الأمن الإقليمي، وهو تحول يثير مخاوف من تهميش القضية الفلسطينية لصالح حسابات جيوسياسية ضيقة.
ويأتي هذا في وقت لا تزال فيه إسرائيل تواصل سياساتها في الأراضي الفلسطينية، ما يجعل الحديث عن “سلام دائم” مشروطًا بإجراءات لم تظهر أي مؤشرات حقيقية على تحقيقها، الأمر الذي يضع الخطاب السعودي أمام اختبار المصداقية، خاصة حين يُطرح التطبيع كمسار قابل للتسريع.
وتعكس هذه التطورات محاولة لإعادة تشكيل الوعي السياسي في المنطقة، عبر تقديم التطبيع كخيار عقلاني وضروري، في مقابل تصوير البدائل الأخرى كخيار مكلف أو غير واقعي، وهو أسلوب يعتمد على إعادة تعريف مفاهيم الأمن والمصلحة بما يخدم التحولات الجارية.
وتشير المؤشرات إلى أن هذا المسار لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد إلى المجال الإعلامي، حيث يتم استخدام المنصات المختلفة لتطبيع الخطاب نفسه، وإعادة إنتاجه بصيغ متعددة، بما يساهم في تقليل حدة الرفض الشعبي تدريجيًا.
وعليه يعبر ظهور مسؤول سعودي على شاشة إسرائيلية عن مرحلة جديدة من العلاقات غير المعلنة، تتسم بجرأة أكبر في الخطاب وانفتاح أوسع في الطرح، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لهذه السياسة التي يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة، بعيدًا عن الثوابت التقليدية، وبما يخدم أولويات جديدة لا تحظى بإجماع عربي.




