متفرقات سعودية

خفض إنتاج النفط يضع السعودية أمام اختبار قاس ويعري إدارة محمد بن سلمان

يكشف تطور خطير في سوق الطاقة عن أزمة تلوح في الأفق للاقتصاد السعودي مع بدء المملكة خفض إنتاج النفط نتيجة امتلاء مرافق التخزين بعد تعطل الصادرات بسبب إغلاق مضيق هرمز ما يجعل المملكة أمام سيناريوهات خطيرة.

وأفادت تقارير اقتصادية، أبرزها تقرير لوكالة “بلومبيرغ”، بأن السعودية بدأت بالفعل تقليص إنتاجها النفطي بعدما أدى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط إلى شبه إغلاق لمضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.

وتأتي الخطوة السعودية بالتزامن مع إجراءات مماثلة اتخذتها دول خليجية أخرى مثل الإمارات والكويت والعراق، بعدما أدت التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية إلى تعطيل حركة ناقلات النفط في المضيق الاستراتيجي.

ويمثل هذا التطور ضربة مباشرة لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير النفط. فالسعودية تنتج نحو 10 ملايين برميل يومياً، وتصدر ما يقارب 7 ملايين برميل يومياً إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة التصدير تهديداً فورياً لإيرادات الدولة.

وقد حاولت شركة أرامكو الالتفاف على الأزمة عبر تحويل جزء من صادراتها من المسار التقليدي عبر مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن هذا الخيار يبقى محدوداً بسبب القيود الفنية في خط الأنابيب الذي يربط الحقول النفطية الشرقية بالميناء.

وتشير التقديرات إلى أن خط الأنابيب لا يمتلك القدرة الكافية لتعويض كامل الصادرات التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يضع أرامكو أمام معضلة حقيقية: إنتاج نفط لا يمكن نقله أو بيعه بسهولة.

وفي مثل هذا السيناريو، لا يبقى أمام الشركة سوى خيارين صعبين: إما تخزين النفط في مرافق بدأت بالفعل تقترب من طاقتها القصوى، أو خفض الإنتاج تدريجياً إلى أن تستعيد الصادرات مسارها الطبيعي.

ويحذر خبراء الطاقة من أن الخيار الثاني يبدو الأكثر واقعية، وهو ما يعني أن السعودية قد تدخل مرحلة من الصدمة المستمرة في إمدادات النفط، وهي حالة يمكن أن تترك آثاراً عميقة على الاقتصاد السعودي وعلى الأسواق العالمية في الوقت ذاته.

وتفتح الأزمة الحالية باباً واسعاً للنقاش حول إدارة المملكة لقطاعها النفطي في ظل سياسات ولي العهد محمد بن سلمان.

فخلال السنوات الماضية، ركزت القيادة السعودية على مشاريع اقتصادية ضخمة ضمن رؤية “2030”، بينما بقي الاقتصاد معتمداً بشكل كبير على عائدات النفط التي تمثل العمود الفقري لميزانية الدولة.

ومع اندلاع التوترات الإقليمية وتزايد المخاطر الجيوسياسية، تبدو هذه المعادلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

ويرى محللون أن الأزمة الحالية تكشف حدود الاستراتيجية الاقتصادية التي تراهن على استمرار تدفق النفط دون انقطاع. فعندما يتعرض مسار التصدير الأساسي للاهتزاز، تظهر سريعاً نقاط الضعف في بنية الاقتصاد المعتمد على مورد واحد.

وتزداد المفارقة وضوحاً في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة التوترات في المنطقة. ففي الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تستفيد السعودية من هذه الأسعار المرتفعة لتحقيق أرباح قياسية.

لكن المفاجأة أن المملكة قد تجد نفسها عاجزة عن استغلال هذه الفرصة بسبب القيود المفروضة على تصدير النفط.

وأشار بنك جي بي مورغان في مذكرة تحليلية إلى أن منتجي الشرق الأوسط قد لا يتمكنون من الاستفادة الكاملة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية في المدى القريب، لأنهم ببساطة قد لا يستطيعون إيصال نفطهم إلى الأسواق العالمية.

ويضع هذا التقييم شركة أرامكو أمام اختبار غير مسبوق لسمعتها الدولية. فعندما تعرضت منشآت الشركة لهجوم كبير عام 2019، تعطلت نصف طاقة التصدير في المملكة، ومع ذلك أعلنت الشركة آنذاك أنها لم تتخلف عن أي شحنة لعملائها.

لكن الأزمة الحالية تبدو أكثر تعقيداً، لأنها لا تتعلق بضربة عسكرية محدودة، بل بإغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، فقد تجد السعودية نفسها أمام أزمة مزدوجة: تراجع في الصادرات النفطية من جهة، وضغوط مالية متزايدة على الاقتصاد من جهة أخرى.

ويرى مراقبون أن أسوأ السيناريوهات قد يتمثل في دخول الاقتصاد السعودي مرحلة من التباطؤ الحاد إذا استمرت الأزمة الإقليمية وتعطلت صادرات النفط لفترة طويلة.

وفي ظل الإنفاق الضخم على المشاريع العملاقة والاستثمارات الخارجية، قد تصبح قدرة الدولة على الحفاظ على توازنها المالي أكثر تعقيداً مما تبدو عليه اليوم.

لذلك، لا تبدو الأزمة مجرد اضطراب مؤقت في سوق الطاقة، بل اختبار حقيقي للنموذج الاقتصادي الذي تبنيه الرياض في عهد محمد بن سلمان.

فإذا استمرت التوترات في المنطقة وتعطل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، فإن المملكة قد تواجه مرحلة صعبة تكشف أن الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على النفط يبقى عرضة للهزات الجيوسياسية مهما بلغت طموحات الإصلاح الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى