الحرب الإقليمية تكشف هشاشة النموذج السعودي وأوهام التوسع المالي

كشفت تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن أزمة عميقة تضرب جوهر النموذج السعودي الذي روّجت له المملكة تحت عنوان “رؤية 2030”، حيث تصطدم الطموحات الضخمة بواقع مالي ضاغط وتحديات أمنية متصاعدة، ما يعيد طرح تساؤلات جدية حول استدامة هذا النموذج وجدواه.
وتعتمد الاستراتيجية السعودية على ضخ استثمارات هائلة لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للتجارة والتكنولوجيا والثقافة، إلا أن هذا المشروع بدأ يتراجع عمليًا، مع تقليص أو مراجعة عدد كبير من المشاريع العملاقة، حتى قبل اندلاع الحرب، في مؤشر على خلل هيكلي في التخطيط والتمويل.
وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى تقليص صادرات النفط السعودية إلى نحو نصف طاقتها، ما وجّه ضربة مباشرة لمصدر الدخل الرئيسي الذي تعتمد عليه الدولة في تمويل مشاريعها الطموحة.
وتكشف الأرقام عن خسائر فورية تجاوزت 10 مليارات دولار، نتيجة تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات، في وقت تعاني فيه الميزانية أصلًا من عجز متزايد، ما يضع ضغوطًا إضافية على قدرة الحكومة على الاستمرار في الإنفاق التوسعي.
ويترافق ذلك مع تراجع واضح في صورة السعودية كوجهة استثمارية آمنة، بعد تعرضها لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، وإلغاء فعاليات دولية كبرى، وتعليق رحلات جوية، ما يعكس هشاشة البيئة التي تسعى الرياض لتسويقها كمركز عالمي للأعمال.
وتواجه المشاريع الضخمة التي تم الترويج لها كرمز للتحول الاقتصادي، مثل “نيوم” و”ذا لاين” و”المكعب”، تعثرًا واضحًا، مع إلغاء عقود وتجميد أعمال وتراجع التمويل، ما يكشف فجوة كبيرة بين الطموحات والقدرات الفعلية.
ويعكس هذا التعثر غياب الواقعية في التخطيط، حيث تتجاوز كلفة المشاريع تريليونات الدولارات، في حين لا يتجاوز الإنفاق الحكومي السنوي نحو 300 مليار دولار، ما يجعل تمويل هذه المشاريع مرهونًا بتدفقات خارجية لم تتحقق بالمستوى المطلوب.
ويتعمق هذا التناقض مع ضعف الاستثمار الأجنبي، الذي لم يتجاوز 35.5 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم بعيد عن الهدف المعلن البالغ 100 مليار دولار سنويًا، رغم الضغوط الحكومية على الشركات العالمية لافتتاح مقرات في الرياض.
وتؤكد المؤشرات أن نموذج “رؤية 2030” قائم على افتراضات غير مستقرة، أبرزها استمرار تدفق النفط بسلاسة، واستقطاب استثمارات خارجية ضخمة، والحفاظ على بيئة إقليمية مستقرة، وهي شروط أثبتت الحرب هشاشتها.
وتكشف الحرب أيضًا عن محدودية أدوات القوة السعودية، حيث تعتمد المملكة بشكل كبير على الحماية الأمريكية والتكنولوجيا العسكرية الغربية، ما يضعها في موقع التبعية الاستراتيجية، ويقيد قدرتها على إدارة الأزمات بشكل مستقل.
في المقابل، تجد الرياض نفسها أمام معادلة معقدة، حيث تدفع بهدوء نحو إضعاف إيران، لكنها تخشى في الوقت ذاته من تداعيات الحرب على بنيتها التحتية النفطية، ما يعكس تناقضًا في الرؤية الاستراتيجية.
وتفرض هذه المعادلة على السعودية إنفاق مليارات إضافية لتعزيز الدفاعات ودعم المشاريع المتعثرة، ما يزيد الضغط على المالية العامة، ويهدد بتآكل الاحتياطيات على المدى المتوسط.
وتُظهر التطورات أن “لحظة الصعود” التي سعت السعودية لتكريسها تتحول تدريجيًا إلى اختبار قاسٍ، حيث تتراجع الثقة الدولية، وتتصاعد المخاطر، وتتآكل قدرة الدولة على تمويل طموحاتها.
ورغم بعض النجاحات الجزئية، مثل نمو القطاع غير النفطي وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، فإن هذه الإنجازات تبقى محدودة مقارنة بحجم التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد السعودي.
وتعكس الأزمة أيضًا خللًا في أولويات الإنفاق، حيث تم توجيه مليارات الدولارات إلى مشاريع استعراضية عالية الكلفة، مثل منتجعات فاخرة ومدن مستقبلية ومشاريع ترفيهية، في وقت كان الاقتصاد بحاجة إلى استثمارات أكثر استدامة وإنتاجية.
وتكشف حالات الهدر والتجميد، مثل مشاريع “سندالة” و”ذا لاين”، عن إدارة مالية غير فعالة، حيث تم إنفاق مليارات قبل التراجع أو إعادة التقييم، ما يعمّق الخسائر ويقوّض الثقة.
وتضع هذه التطورات القيادة السعودية أمام واقع جديد، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على الخطاب الترويجي وحده، في ظل تزايد الضغوط المالية والأمنية.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار الحرب أو تكرار الأزمات الإقليمية قد يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في التزاماتهم، ما يهدد الركيزة الأساسية التي تقوم عليها “رؤية 2030”.
وعليه تكشف الحرب مع إيران عن هشاشة المشروع السعودي، الذي بُني على مزيج من الطموح المفرط والاعتماد المفرط على النفط والاستثمارات الخارجية، دون امتلاك أدوات كافية لضمان الاستقرار والاستدامة.
وتعكس هذه الأزمة أن ما تم تسويقه كتحول تاريخي قد يتحول إلى عبء مالي واستراتيجي، في ظل سياسات توسعية غير محسوبة، تضع الاقتصاد السعودي أمام تحديات غير مسبوقة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.




