انقلاب صامت على التعليم الشرعي: بن سلمان يمضي لتقنين الدين وتقليص حضوره في بلاد الحرمين

كشفت مصادر مطلعة من داخل الديوان الملكي السعودي عن توجهٍ رسمي يقوده محمد بن سلمان لإعادة تشكيل البنية الدينية في المملكة عبر قرارات تمسّ صلب التعليم الشرعي.
وبحسب المصادر، يعتزم ولي العهد إغلاق معظم كليات الشريعة وأصول الدين في الجامعات السعودية، مع الإبقاء على ثلاث مؤسسات فقط: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، جامعة أم القرى، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ويُنتظر عقد اجتماع موسّع خلال الأسابيع المقبلة مع مديري الجامعات تحت عنوان فضفاض هو “إعادة الهيكلة”.
لكن خلف هذا العنوان الإداري، ترى المصادر أن الأهداف أعمق وأخطر: تقنين المخرجات الدينية، خفض أعداد المشايخ، تقليص المناهج الشرعية، وإنهاء آلاف الوظائف الأكاديمية والدعوية.
وهي خطوات، وفق المصادر، تخدم مشروعًا متكاملًا لإنتاج “دين رسمي جديد” متوافق مع رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية يقودها ولي العهد، على حساب الدور التاريخي للتعليم الشرعي في بلاد الحرمين.
وتضيف المصادر أن الخطة لا تتعلق بإصلاحات تعليمية أو تطوير جودة، بل بإعادة ضبط المشهد الديني من جذوره. فالإبقاء على ثلاث جامعات بعينها—وبشروط قبول ومناهج مُعاد تصميمها—يسمح للسلطة بالتحكم المركزي في عدد الخريجين، ونوعية الخطاب، وحدود التأثير.
أما بقية الكليات، فتُصنَّف ضمن “الفائض غير الضروري” في سردية رسمية تُحمِّل التعليم الشرعي مسؤولية “التشدد” و”الإعاقة” أمام التحديث.
في المقابل، يحذّر أكاديميون من أن إغلاق الكليات سيؤدي إلى تجفيف الرافد العلمي الشرعي، وقطع المسار الطبيعي لتأهيل القضاة والدعاة والمعلمين، وإحلال مسارات بديلة “خفيفة المحتوى” أو “مُسيسة الوظيفة”.
ويؤكدون أن تقليص المناهج لا يعني محاربة الغلو بقدر ما يعني إفراغ الدين من عمقه المعرفي، وتحويله إلى خطاب عام مُعلّب، منزوع الأسئلة، ومحصور في “قيم عامة” لا تصطدم بالسياسات.
وتلفت المصادر إلى أن إنهاء آلاف الوظائف الشرعية سيُقدَّم بوصفه “ترشيدًا ماليًا”، بينما هو في جوهره إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل المجتمع.
فالمشهد الجديد يفضّل “داعية مُرخَّصًا” على عالم مستقل، و”خطيبًا مُدرَّبًا على الرسائل” على فقيه يمتلك أدوات النقد والاجتهاد. وتأتي هذه التحركات—بحسب المطلعين—ضمن مسار متدرّج بدأ بتقييد المنابر، وإعادة كتابة مقررات، وتوسيع نفوذ مؤسسات دينية رسمية ذات خطاب واحد.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تُكمل انقلابًا أوسع على الدين في المملكة، حيث يُعاد تعريف “الوسطية” لتصبح طاعة سياسية، ويُستبدل التنوع الفقهي بـ توحيد إداري، ويُختزل التراث في “مضامين متوافقة”.
ويشيرون إلى أن الاجتماع المرتقب مع مديري الجامعات ليس تشاوريًا، بل إبلاغيًا، وأن القرارات الأساسية قد اتُّخذت، وما الاجتماع إلا لإكسائها شرعية إجرائية.
في السياق ذاته، تُثار مخاوف من تداعيات اجتماعية بعيدة المدى: بطالة واسعة بين خريجي الشريعة، انكماش البحث العلمي الشرعي، وتراجع استقلال الفتوى.
كما يخشى مراقبون من أن يؤدي هذا المسار إلى فراغ معرفي قد تملؤه خطابات سطحية أو مؤدلجة، بدل معالجة جذور التطرف عبر التعليم الرصين والنقاش المفتوح.
حتى الآن، لم يصدر تعليق رسمي يوضح تفاصيل “إعادة الهيكلة”. غير أن تزامن التسريبات مع تحركات إدارية سريعة، وإشارات متكررة إلى “تقليل المخرجات الدينية”، يعزّز القناعة بأن المملكة مقبلة على مرحلة فاصلة في علاقتها مع التعليم الشرعي. مرحلة يرى منتقدوها أنها لا تُصلح الدين، بل تُعيد تشكيله على مقاس السلطة.



