من نيوم إلى ملاعب المونديال: موجة إلغاء المشاريع تكشف تخبط التخطيط الحكومي في السعودية

تشهد السعودية في الأشهر الأخيرة اتساعًا لافتًا في موجة إلغاء وتأجيل وتقليص المشاريع العملاقة، في تطور يعكس عمق الارتباك الذي أصاب التخطيط الحكومي بعد سنوات من الإنفاق غير المنضبط والوعود الطموحة التي رُوِّج لها بلا سند اقتصادي واقعي.
فمن مشروع نيوم الذي قُدّم للعالم بوصفه “مدينة المستقبل”، إلى ملاعب كأس العالم 2034 التي كانت جزءًا من حملة تسويقية سياسية واقتصادية ضخمة، بدأت ملامح التراجع تتكشف تباعًا.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، فإن المملكة أمرت خلال فترة زمنية قصيرة بإجراء مراجعات شاملة لأكثر مشاريعها طموحًا، الممتدة من نيوم شمالًا، مرورًا بجدة، وصولًا إلى الرياض.
وقد تحولت هذه المراجعات عمليًا إلى إلغاء مشاريع، أو تفريغها من مضمونها، أو خفض سقوفها بشكل حاد، في اعتراف ضمني بفشل التصورات الأولى.
وجاءت البداية هذا الأسبوع مع تأجيل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، الحدث الذي كان يُفترض أن يكون واجهة دعائية لقدرة المملكة على “صناعة المستحيل”، عبر إنشاء منحدرات تزلج وسط الصحراء.
غير أن المشروع تعثر تحت وطأة تكاليفه الباهظة وتعقيداته التقنية، ليصبح مثالًا صارخًا على مشاريع صيغت بعقلية استعراضية لا تخطيطية.
في الوقت نفسه، تدرس الحكومة تعديلات جذرية على مشروعين يُعدان من أعمدة رؤية ولي العهد محمد بن سلمان: “ذا لاين” في نيوم، و”المكعّب” (The Mukaab) في وسط الرياض.
فـ”ذا لاين”، الذي صُوِّر كمدينة تمتد 170 كيلومترًا بين برجين متقابلين، بات اليوم مشروعًا معلّقًا، أُوقف مؤقتًا لإعادة النظر في تصميمه، وسط ترجيحات بأن ينتهي إلى نسخة مصغّرة لا تشبه الوعود الأصلية، مع إلغاء ملعب كأس العالم الذي كان مخططًا على ارتفاع شاهق.
أما مشروع “نيو مرابع” في الرياض، الذي كان من المفترض أن يشكّل قلبًا حضريًا جديدًا للعاصمة ويحتضن مبنى المكعب العملاق، فيخضع هو الآخر لمراجعة قاسية، تشمل – بحسب مصادر مطلعة – التخلي عن ملعب مخصص لكأس العالم 2034.
وقد طلب صندوق الاستثمارات العامة من المطوّرين تقديم تصورات “واقعية” لما يمكن إنجازه فعليًا خلال السنوات المقبلة، في تراجع واضح عن لغة الطموح غير المحدود.
ولا يقتصر التراجع على الرياض ونيوم. ففي جدة، تخضع عدة مشاريع تطويرية للمراجعة، من بينها جزيرة ترفيهية مخطط لها باسم “ساحل القدية”، مع احتمالات قوية لإلغاء ملعب مونديالي كان مقررًا هناك.
وفي المقابل، تُفضّل السلطات المضي قدمًا في مشروع “استاد الأمير محمد بن سلمان” في مدينة القدية بالرياض، في محاولة لتركيز الموارد بدل تشتيتها.
ويعكس هذا التخبط إعادة ضبط اضطرارية من قبل صندوق الاستثمارات العامة والحكومة المركزية، في ظل تراجع أسعار النفط، وتشدد شروط الإقراض، وضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
فبعد سنوات من الرهان على وفرة مالية دائمة، اصطدمت الخطط العملاقة بواقع اقتصادي أقل سخاء، ما كشف هشاشة الكثير من الافتراضات التي بُنيت عليها “رؤية 2030”.
وحتى في ملف كأس العالم 2034، الذي يُفترض أنه مشروع غير قابل للتراجع، بدأ المسؤولون يشككون في جدوى بناء ثمانية ملاعب جديدة من الصفر، مع اتجاه متزايد نحو تجديد الملاعب القائمة، في اعتراف متأخر بأن الاستراتيجية الأصلية كانت مكلفة وغير ضرورية. هذا التراجع ينسف خطابًا رسميًا طالما قدّم المشاريع العملاقة بوصفها “حتمية تاريخية” لا تقبل النقاش.
ويؤكد خبراء اقتصاد أن كثيرًا من المشاريع التي يجري تقليصها اليوم كانت “مفرطة الطموح” منذ البداية. فقد انخفض الإنفاق على ما يُعرف بـمشاريع الغيغا من ذروته عند نحو 35 مليار دولار في 2023 إلى 13 مليار دولار فقط في 2025، وفق بيانات منصة MEED، ما يعكس حجم الكبح المفروض قسرًا على ماكينة الإنفاق.
ورغم محاولات الحكومة تسويق هذا التحول بوصفه “براغماتية” و”ترشيدًا”، إلا أن الواقع يشير إلى سوء تخطيط بنيوي، حيث وُضعت مشاريع عملاقة في مرحلة كانت فيها أسعار النفط أعلى، والفائدة أقل، والبيئة العالمية أكثر مرونة، دون وجود خطط بديلة أو سيناريوهات فشل.
وتكشف موجة الإلغاء والتقليص الراهنة أن السعودية لا تعيد ترتيب أولوياتها طوعًا، بل تحت ضغط الوقائع المالية. وبينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “الأثر الأمثل بأقل تكلفة”، فإن ما يتكشف فعليًا هو ثمن سنوات من القرارات المتسرعة، والمشاريع المصممة للدعاية أكثر من التنمية، والتي باتت اليوم عبئًا سياسيًا واقتصاديًا يصعب إنكاره.



