محمد بن سلمان يواجه الفشل: نهاية المشاريع الفرعونية وبداية التراجع القسري

في ظل تراجع مستدام في عائدات النفط وتصاعد الضغوط المالية، بدأ ولي العهد محمد بن سلمان يواجه الفشل باضطراره على التراجع الفعلي عن عدد من مشاريعه العملاقة التي شكّلت لسنوات واجهة “رؤية 2030”.

وأبرزت صحيفة لوموند الفرنسية أن ما كان يُقدم في الإعلام باعتباره قفزة تاريخية نحو “سعودية المستقبل” تحوّل إلى عبء مالي واقتصادي، فرض خفض الطموحات أو التخلي عن مشاريع وُصفت منذ إطلاقها بأنها أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى التخطيط الواقعي.

وأشارت الصحيفة إلى أن مشروع نيوم، الذي رُوّج له كمدينة المستقبل فائقة التكنولوجيا، لم يعد سوى نسخة مصغّرة مما أُعلن عنه.

فمدينة “ذا لاين”، التي كان من المفترض أن تمتد بطول 170 كيلومترًا على شكل جدارين مكسوين بالمرايا في صحراء شمال غرب المملكة، لن يرى منها النور سوى مبنى أو اثنين، وفق تقديرات متداولة في الأوساط الاقتصادية.

وقد كان هذا المشروع، الذي شارك في تصوّره مصممون من هوليوود، حجر الزاوية في رؤية محمد بن سلمان، ورمزًا لرغبته في إعادة تعريف السعودية كقوة تكنولوجية عالمية.

اليوم، اختفت وعود سيارات الأجرة الطائرة والتعليم عبر الهولوغرام من الخطاب الرسمي. وبدل ذلك، أُعيد توجيه نيوم نحو مشاريع أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ، مثل إنتاج الهيدروجين الأخضر، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى مراكز البيانات.

فالمدينة التي قُدّمت سابقًا كمنافس مباشر لدبي، باتت تُسوَّق كمركز للذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة، في انعكاس مباشر لتراجع القدرة على تمويل المشاريع الاستعراضية.

ولم يقتصر هذا التحول على نيوم، فمشروع تروجينا، الذي كان يُفترض أن يحتضن دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 في جبال شمال غرب المملكة، تعرّض لضربة قاسية مع انسحاب السعودية من تنظيم الحدث، بسبب تأخر أعمال البناء وصعوبات التنفيذ.

كذلك، جرى التخلي عمليًا عن مشروع “المكعّب” (الموكعب)، ناطحة السحاب المكعبة بارتفاع 400 متر في الرياض، والتي أُريد لها أن تكون رمزًا معماريًا ينافس الكعبة في حضورها الرمزي.

كما خفّضت المملكة طموحاتها في مشروع بناء 81 مجمعًا فندقيًا فاخرًا على ساحل البحر الأحمر بحلول عام 2030. الرهان على تحويل الساحل إلى وجهة عالمية للسياحة الفاخرة لم يحقق الإقبال المأمول، حتى بعد خطوات تدريجية للسماح باستهلاك الكحول للأجانب، ما كشف محدودية الطلب الحقيقي مقارنة بحجم الاستثمارات المطلوبة.

ويعكس هذا التراجع واقعًا ماليًا ضاغطًا. فأسعار النفط، التي تدور حول 70 دولارًا للبرميل، تبقى دون المستوى اللازم لتمويل مشاريع “رؤية 2030” بحجمها الأصلي.

ورغم الحديث المتكرر عن تنويع الاقتصاد، ما زالت نحو 60% من الإيرادات الحكومية في عام 2025 تعتمد على بيع النفط الخام. أما هدف جذب 100 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فبقي بعيد المنال، إذ لم تتجاوز هذه الاستثمارات 32 مليار دولار في عام 2024.

وتعكس الأرقام المالية هذا المأزق بوضوح. فمنذ عام 2022، تسجل السعودية عجزًا في الميزانية وعجزًا في ميزان المدفوعات الجارية، ما دفعها إلى زيادة الاقتراض من أسواق السندات الدولية.

وفي عام 2025، بلغ العجز نحو 276.6 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ115.6 مليار ريال في العام السابق، وفق بيانات وزارة المالية.

أمام هذه المعطيات، أقرّ صندوق الاستثمارات العامة، الذي تبلغ أصوله نحو 925 مليار دولار، تحولًا في استراتيجيته للفترة 2026–2030.

وقد تخلت هذه الاستراتيجية، التي كُشف عنها بهدوء، عن المشاريع الفرعونية لصالح قطاعات يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على توليد العائدات، مثل الذكاء الاصطناعي، والتعدين والصناعة والسياحة.

ويرى أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة برينستون برنارد هايكل أن “هناك قدرًا أكبر من الواقعية وأقل من الخيال”، مشيرًا إلى أن انخفاض أسعار النفط وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية جعلا المشاريع العملاقة غير مقنعة للمستثمرين.

ويشاركه الرأي الباحث كريستيان أولريخسن، الذي يعتبر أن حجم هذه المشاريع وتكاليفها واختناقات سلاسل الإمداد جعلتها غير قابلة للتنفيذ عمليًا.

وقد ترافق هذا التحول الاقتصادي مع تغييرات في الخطاب السياسي والدبلوماسي. ففي سبتمبر 2025، أقر محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى بضرورة تعديل “رؤية 2030” وتكييفها مع “الأولويات الوطنية”، مؤكدًا الاستعداد لإلغاء أو تعديل أي برنامج إذا اقتضت المصلحة العامة وهو ما شكل اعترافًا غير مباشر بفشل جزء رئيسي من الرؤية في صيغتها الأصلية.