شكاوي البطالة وعدم المساواة في الدخل وإحباط الشباب تخيم على السعودية

تخيم الشكاوي من البطالة وعدم المساواة في الدخل وإحباط الشباب على المشهد العام في السعودية حيث يشعر المواطنون بصعوبات اقتصادية متزايدة ومعدلات تضخم أعلى من معدلات رفع رواتبهم وذلك رغم الترويج الحكومي المستمر عن ازدهار اقتصاد المملكة.
ولا تزال اللوحات الإعلانية الضخمة تصطف على الطريق الممتد من مطار الملك خالد إلى قلب العاصمة السعودية، واعدةً بمستقبل مذهل و”وسط مدينة حديث” يتوسطه مبنى مكعّب هائل يُفترض أن يكون الأكبر في العالم من حيث الحجم.
لكن خلف هذه الصور البراقة، تتكشف رواية أقل بريقاً عن اقتصاد يواجه ضغوطاً حقيقية، وشبابٍ يزداد إحباطهم من فرص العمل والأجور وتكاليف الحياة.
وتقول مجلة الإيكونوميست البريطانية إن “المكعب”، أحد أبرز مشاريع رؤية 2030 التي أطلقها محمد بن سلمان عام 2016 لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، بات رمزاً لتراجع الطموحات العملاقة أمام قيود الواقع المالي.
فمع استمرار أسعار النفط عند مستويات غير مريحة، توقفت أعمال المشروع الشهر الماضي، كما تباطأ البناء في “ذا لاين” – المدينة الخطّية الخيالية التي تتجاوز تكلفتها نصف تريليون دولار في صحراء نيوم.
وحتى دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 نُقلت إلى كازاخستان، بعدما تبيّن أن منتجع التزلج المخطط له لن يكون جاهزاً في الموعد.
وتتحدث الحكومة السعودية الآن عن التركيز على قطاعات أكثر واقعية: السياحة، الصناعة، والخدمات اللوجستية في خطوة قد تبدو تصحيحاً متأخراً لمسارٍ ابتلع مليارات الدولارات في مشاريع مستقبلية طموحة، بينما تتصاعد التحديات اليومية للمواطنين.
وتم الترويج لرؤية 2030 كخطة لإعادة صياغة سوق العمل، عبر تقليص الاعتماد على الوظائف الحكومية ودفع السعوديين نحو القطاع الخاص. غير أن هذا التحول غالباً ما يعني انتقال الشباب إلى وظائف منخفضة الأجر في قطاع الخدمات، كانت سابقاً حكراً على العمالة الوافدة.
وتعكس الأرقام حجم المشكلة. ففي بداية إطلاق الرؤية، كان متوسط راتب السعودي نحو 10,045 ريالاً شهرياً. وبعد سبع سنوات، ارتفع المتوسط إلى 11,197 ريالاً، أي زيادة بنسبة 11%.
لكن التضخم التراكمي خلال الفترة نفسها تجاوز 17%، ما يعني أن القوة الشرائية تراجعت فعلياً. الرواتب لم تواكب الأسعار.
وجزء من الفجوة عوّضته الأسر عبر دخول النساء إلى سوق العمل بوتيرة متسارعة. ففي 2016 لم تتجاوز نسبة النساء العاملات 19%، بينما تجاوزت 34% بحلول 2025.
غير أن النساء يتركزن غالباً في وظائف خدماتية منخفضة الأجر، ما يبقي فجوة الدخل قائمة. صحيح أن متوسط دخل الأسرة ارتفع من 14,823 ريالاً في 2018 إلى 18,056 ريالاً في 2025، لكن الارتفاع في التكاليف التهم جانباً كبيراً من المكاسب.
وقد فُرضت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% عام 2018، ثم رُفعت إلى 15% خلال جائحة كورونا، في خطوة وُصفت بالمؤقتة لكنها استمرت. كما خُفضت إعانات الكهرباء والوقود والمياه، ورُفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للموظفين الشباب. بمعنى آخر، يكسب الناس أكثر قليلاً، لكنهم يدفعون أكثر بكثير.
وتبدو الضغوط أوضح في الرياض، التي تحولت من مدينة حكومية هادئة إلى مركز اقتصادي ضخم يستقطب الاستثمارات والوظائف.
وقد ضح محمد بن سلمان مليارات في العاصمة، من حدائق وجامعات إلى حي مالي ومطار عالمي، ما جعلها الوجهة الأولى للشباب الباحثين عن فرص.
غير أن هذا التحول حمل كلفة باهظة. الإيجارات في الرياض ارتفعت بأكثر من 50% منذ 2020، ما دفع الأمير محمد إلى فرض تجميد مؤقت للإيجارات لمدة خمس سنوات العام الماضي.
كما أن أسعار الشقق تضاعفت لتتجاوز 6,000 ريال للمتر المربع، بينما بقيت الأسعار في جدة والمنطقة الشرقية مستقرة نسبياً. الرياض مزدهرة، لكنها أصبحت باهظة الثمن.
وعلى مدى عقود، كان القطاع الحكومي الملاذ الآمن للسعوديين، يوفر راتباً مستقراً وحياة كريمة، حتى وإن لم تكن فاخرة. اليوم، تغير العقد الاجتماعي. الشباب ينتقلون إلى العاصمة لوظائف خاصة مرهقة وغير مستقرة، بينما يرون وافدين برواتب مرتفعة وعقود مريحة، خصوصاً في قطاعات التقنية والتمويل.
وافتتاح أول متجر لبيع الكحول في يناير الماضي – مخصص للدبلوماسيين غير المسلمين، ثم توسيع الوصول للوافدين ذوي الرواتب التي تتجاوز 50 ألف ريال شهرياً – كان دليلاً على استمرار الانفتاح الاجتماعي. لكنه كان أيضاً تذكيراً صارخاً بالفجوة في الأجور، إذ إن قلة من السعوديين يحلمون برواتب بهذا المستوى.
ويتزايد الإحباط بين الشباب الذين يجدون أنفسهم في وظائف خدماتية لا توفر دخلاً كافياً لتأسيس أسرة أو شراء منزل في العاصمة. المدن الثانوية تبدو راكدة مقارنة بالرياض، ما يعمّق التفاوت الإقليمي.
وتقول الإيكونوميست إن عدم المساواة في الدخل أصبح تحدياً متنامياً لصنّاع القرار السعوديين. وربما لم تكن مثل هذه الشكاوى مألوفة في المملكة سابقاً، لكنها باتت اليوم شبيهة بتلك التي تواجهها اقتصادات مجموعة العشرين.
والمفارقة أن رؤية 2030، التي سعت إلى تنويع الاقتصاد وجعله أكثر حداثة، أدخلت معه مشكلات الاقتصادات المتقدمة: تضخم، منافسة على الوظائف، وتفاوت في الدخل.
وبينما تتراجع المشاريع العملاقة تحت وطأة الواقع المالي، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع السعودية إعادة التوازن بين طموحاتها الاقتصادية وتوقعات جيل شاب يبحث عن فرصة عادلة في وطنه؟.




