الحرب على إيران تكشف فشل الاعتماد السعوي على واشنطن وأزمة القرار السيادي

كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حجم المأزق الذي وصلت إليه القيادة السعودية وأزمة القرار السيادي، بعد سنوات من الرهان على تحالفات خارجية لم تنجح في تحقيق الأمن أو الاستقرار، بل ساهمت في تعميق الأزمات وفتح الباب أمام مخاطر غير مسبوقة داخل المملكة.

وشكلت الحرب الأخيرة عامل كاشف لفشل متراكم في السياسات الأمنية والاقتصادية، حيث لجأت السلطات السعودية إلى استخدام التصعيد العسكري كذريعة لتبرير إخفاقات بدأت قبل سنوات، وتحديداً مع إطلاق مشاريع كبرى رُوّج لها باعتبارها تحولاً تاريخياً في بنية الاقتصاد والدولة.

وتعكس هذه المقاربة نمطاً متكرراً في إدارة الأزمات، يقوم على الهروب إلى الخارج بدل مواجهة الاختلالات الداخلية، إذ تحاول الرياض تحميل التوترات الإقليمية مسؤولية التراجع الاقتصادي، رغم أن مؤشرات التعثر كانت واضحة منذ وقت طويل، سواء في تأخر تنفيذ المشاريع أو تضخم الإنفاق أو ضعف العوائد الفعلية.

وتضع هذه المعطيات الرهان السعودي على الولايات المتحدة تحت مجهر النقد، خاصة بعد أن أثبتت الأحداث أن “الحماية” التي طالما قُدمت كضمانة استراتيجية لم تعد قادرة على منع التهديدات، بل تحولت في بعض الحالات إلى عامل استدراج للمخاطر، مع انتقال الصراع إلى محيط الخليج.

وتكشف الهجمات التي طالت المنطقة أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يوفر الردع المطلوب، بل ساهم في جعل السعودية جزءاً من معادلة صراع لا تملك التحكم بمسارها، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا الخيار الاستراتيجي.

وتعزز هذه التطورات فرضية أن واشنطن تتعامل مع حلفائها وفق منطق المصالح المتغيرة، وليس وفق التزامات ثابتة، حيث تُترك الدول لتحمل تبعات القرارات الكبرى، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، دون ضمانات حقيقية.

في المقابل، تظهر القيادة السعودية حالة من التردد في مراجعة هذا المسار، رغم المؤشرات الواضحة على فشله، إذ تستمر في الرهان على نفس المعادلة، مع محاولة تسويقها داخلياً عبر خطاب يحمّل الظروف الإقليمية مسؤولية الأزمات.

ويعكس هذا السلوك غياب رؤية استراتيجية مستقلة، حيث لم تنجح المملكة في بناء منظومة أمنية ذاتية قادرة على حماية مصالحها بعيداً عن التبعية، رغم الإمكانات المالية الضخمة التي كان يمكن توظيفها في هذا الاتجاه.

وتطرح هذه الأزمة سؤالاً محورياً حول أولويات الإنفاق، في ظل تخصيص مئات المليارات لمشاريع استعراضية أو صفقات تسليح، دون تحقيق عائد فعلي على مستوى الأمن أو التنمية المستدامة، ما يعكس خللاً في إدارة الموارد.

وتُظهر التجربة أن الاستثمار في التحالفات الخارجية دون بناء قدرات داخلية متماسكة يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تصبح الدولة أكثر هشاشة أمام الصدمات، وأكثر اعتماداً على قرارات خارجية لا تراعي بالضرورة مصالحها.

في هذا السياق، يبرز البعد الشعبي كعامل غائب في المعادلة، إذ لم تُتح للمجتمع فرصة حقيقية لمساءلة السياسات أو تقييم نتائجها، رغم أن تداعيات هذه الخيارات تنعكس بشكل مباشر على حياته اليومية ومستقبله الاقتصادي.

ويشير تصاعد التحديات إلى ضرورة إعادة النظر في مجمل النهج السياسي والاقتصادي، بدءاً من طبيعة التحالفات، مروراً بأولويات الإنفاق، وصولاً إلى آليات اتخاذ القرار، بما يضمن تقليل المخاطر وتعزيز الاستقرار.

وتؤكد التطورات أن الاستمرار في نفس السياسات سيؤدي إلى مزيد من التآكل في القدرة على إدارة الأزمات، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين، ما يتطلب تحولات جذرية لا مجرد تعديلات شكلية.

وتضع هذه اللحظة السعودية أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في الاعتماد على معادلات أثبتت فشلها، أو الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على الاستقلال النسبي في القرار، وبناء منظومة أمنية واقتصادية أكثر توازناً.