نزع ملكية العقارات في السعودية: بين شعارات المصلحة العامة ومصادرة الحقوق

أثار قرار مجلس الوزراء السعودي، القاضي بالموافقة على نظام نزع ملكية العقارات للمصلحة العامة ووضع اليد المؤقت على العقارات، نقاشًا واسعًا داخل المملكة وخارجها.
فبينما روج فريق ولي العهد محمد بن سلمان للقرار باعتباره خطوة نحو تعزيز التنمية وإعادة تنظيم المجال العمراني بما يخدم الصالح العام، تكشف قراءة نقدية متأنية عن أبعاد أكثر عمقًا تتعلق بتقويض الحقوق الفردية وتوسيع سلطة الدولة على حساب المواطن.
إذ يبدو القرار في ظاهره أداة لإصلاح المجتمع وتنظيم العلاقة بين الملكية الفردية ومتطلبات الدولة. غير أن غياب أي مشاركة شعبية في صياغة هذا النظام يجعل من الصعب اعتباره تعزيزًا للحقوق.
فالقرارات الملكية تصدر من أعلى هرم السلطة وتُفرض على المواطنين دون نقاش أو آليات حقيقية للمساءلة أو الاعتراض، ما يحوّل الحقوق الدستورية إلى مجرد عطايا قابلة للسحب أو التعديل في أي لحظة.
بهذا المعنى، يصبح المواطن متلقياً سلبياً، لا شريكًا فاعلًا في صناعة القرار. وهذا الوضع يفرغ الحقوق من مضمونها، ويؤسس لثقافة تقوم على الخضوع والتبعية بدلاً من التمكين والمشاركة.
المصلحة العامة كغطاء
أخطر ما في قرارات نزع الملكية هو استخدامها المتكرر لشعار “المصلحة العامة”، دون وضع معايير دقيقة وشفافة لتحديد ما يُقصد بها. فالحق في الملكية الفردية يصبح مقيّدًا بشرط مطاطي يمكن توظيفه بسهولة لصالح السلطة المركزية أو لمشاريع ذات بعد سياسي واقتصادي، حتى وإن لم تعكس بالضرورة حاجات المجتمع.
هذا الاستخدام الفضفاض يحوّل المصلحة العامة إلى ذريعة للهيمنة، حيث يُعاد توزيع الأراضي والموارد بما يخدم دوائر السلطة والنخب الاقتصادية المتحالفة معها.
وفي كثير من الحالات، تكون النتيجة حرمان الأفراد من ممتلكاتهم دون تعويض عادل، أو استخدام الأراضي المصادرة في مشاريع لا تعود بالنفع المباشر على أصحابها الأصليين.
أزمة ثقة متفاقمة
لا يقتصر أثر هذه السياسات على فقدان الملكية فحسب، بل يمتد ليؤسس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة. فعندما يدرك المواطن أن بيته أو أرضه يمكن أن تُسلب بقرار فوقي، فإنه يفقد إحساسه بالأمان القانوني والاجتماعي.
ومع غياب مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على مساءلة السلطة، يتحول الحق في الملكية إلى وهم هش يمكن إلغاؤه بين ليلة وضحاها.
هذه الأزمة لا تنعكس فقط على المستوى الفردي، بل تترك أثرًا بنيويًا على المجتمع ككل. فشعور المواطنين بالغبن والحرمان يولّد إحباطًا جماعيًا يضعف روح الانتماء الوطني، ويزيد الشرخ بين السلطة والشعب.
انعكاسات اقتصادية مقلقة
من الناحية الاقتصادية، يُفترض أن تساهم أنظمة نزع الملكية في تعزيز مشاريع التنمية الكبرى. لكن الواقع يشير إلى أن غياب الشفافية والعدالة قد يحوّل هذه المشاريع إلى مصدر قلق وعدم استقرار.
فالمستثمر المحلي أو الأجنبي لن يغامر بضخ أمواله في بيئة لا تحترم الحقوق ولا تضمن استقرار الملكية. وكلما توسعت الدولة في استخدام أدوات المصادرة تحت مسمى المصلحة العامة، كلما اهتزت الثقة في النظام القانوني والاقتصادي، مما يعيق التنمية المستدامة.
وبدلاً من أن يصبح القرار أداة لتحقيق الاستقرار العمراني والتنظيم الحضري، قد يتحول إلى عامل يزرع الريبة ويقوّض مناخ الاستثمار، ويجعل أي إنجاز تنموي هشًا ومعرّضًا للانهيار عند أول أزمة.
العدالة الغائبة
تُظهر التجارب الدولية أن أنظمة نزع الملكية يمكن أن تكون مشروعة وضرورية في حالات معينة، مثل شق الطرق أو بناء المستشفيات أو تطوير البنية التحتية العامة. لكن نجاحها مشروط بثلاثة عناصر: المشاركة الشعبية، التعويض العادل، والرقابة القضائية المستقلة.
ويحوّل غياب هذه العناصر النظام من وسيلة لتعزيز العدالة الاجتماعية إلى أداة لسلب الحقوق. ففي الحالة السعودية، تُدار هذه القرارات من دون مشاركة حقيقية للمواطنين أو مؤسسات المجتمع المدني، ما يجعلها عرضة لأن تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية ضيقة بدلاً من خدمة المجتمع.
الحقوق ليست مجرد نصوص
من منظور حقوقي، تكمن خطورة النظام الجديد في أنه يعيد صياغة مفهوم الحقوق نفسه. فالحق في الملكية، الذي يفترض أن يكون ثابتًا ومصونًا، يتحول إلى امتياز مشروط يمكن التنازل عنه لمصلحة الدولة.
ومع تراكم مثل هذه الإجراءات، قد ينشأ واقع جديد يرسّخ فكرة أن الحقوق ليست سوى نصوص قانونية فارغة، قابلة للإلغاء متى اقتضت الضرورة السياسية.
وعليه فإن قرار نزع ملكية العقارات للمصلحة العامة في السعودية يكشف بوضوح عن مفارقة جوهرية: بدلاً من أن يكون أداة لتعزيز الحقوق وتحقيق العدالة، ينذر بتحويل الحقوق إلى امتيازات قابلة للسحب، ويزيد من فجوة انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويؤكد مراقبون أن أي نظام يسعى إلى تحديث الدولة وبناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يستند إلى سياسات تصادر حقوق الأفراد وتكرّس التبعية. فالعدالة لا تتحقق عبر قرارات فوقية، بل عبر شراكة حقيقية بين الدولة والمواطنين، تضمن أن تكون المصلحة العامة انعكاسًا لإرادة المجتمع، لا غطاءً لتوسيع سلطة الدولة.
وبينما تحتفي وسائل الإعلام الرسمية بالقرار كخطوة إصلاحية، تبقى الحقيقة أن نزع الملكية بهذا الشكل قد يزرع بذور أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق، تُقوّض أسس التنمية والاستقرار اللذين تسعى المملكة للترويج لهما.




