هيبة مصطنعة وسلطة قسرية: مجلس الوزراء أداة دعاية في زمن محمد بن سلمان

عاد اسم الملك سلمان بن عبد العزيز في الأسابيع الأخيرة، إلى واجهة المشهد الرسمي في السعودية من خلال حضوره اجتماعات مجلس الوزراء بوصفه رئيسًا للمجلس، في مشاهد بثّها الإعلام الرسمي باعتبارها دليلًا على «استمرارية الحكم» و«تماسك القيادة».

غير أن هذه الصور، بدل أن تعكس قوة الدولة، أثارت أسئلة محرجة حول حقيقة إدارة السلطة في المملكة، والدور الفعلي للملك، والدوافع الكامنة وراء إصرار ولي العهد محمد بن سلمان على هذا الظهور المتكرر.

فحضور الملك سلمان إلى مجلس الوزراء بات يتم في صورة واحدة شبه ثابتة: وصول قصير على كرسي متحرك، جلوس لبضع دقائق أمام عدسات الكاميرا، ثم مغادرة سريعة إلى مقر إقامته. لا نقاش علني، ولا مداخلات، ولا إشارات إلى مشاركة فعلية في اتخاذ القرار.

ويرى مراقبون في ذلك محرد مشهد رمزي بامتياز، يخلو من أي مضمون سياسي حقيقي، ويطرح تساؤلًا مشروعًا: من يدير شؤون الدولة فعليًا؟ وكيف تُتخذ القرارات المصيرية؟

وتؤكد أوساط المعارضة السعودية أن من حق الشعب السعودي، ومن حق الرأي العام، أن يعرف كيف يُعقد مجلس الوزراء، ومن يرأسه فعليًا، وما إذا كان الملك، في وضعه الصحي المعروف، قادرًا أصلًا على إدارة الاجتماعات أو مناقشة الملفات الثقيلة التي تُعرض على المجلس.

فالواقع، كما بات واضحًا، أن الملك لا يملك قرار حضوره أو غيابه، وأن محمد بن سلمان هو من يقرر متى يظهر والده ومتى يُغيب، وكيف يُستثمر هذا الظهور سياسيًا وإعلاميًا.

الأكثر دلالة أن هذه الاجتماعات نفسها ليست سوى إطار شكلي. فالقرارات، وفق ما تؤكده طبيعة الحكم في السعودية، تُتخذ مسبقًا داخل دائرة ضيقة يقودها ولي العهد، ثم تُعرض لاحقًا على مجلس الوزراء للمصادقة الشكلية.

وبحسب المراقبين فإن هذه ليست ظاهرة جديدة بالكامل في النظام السعودي، لكنها بلغت ذروتها في عهد محمد بن سلمان، حيث تلاشى أي دور مؤسسي حقيقي، وحل محله حكم الفرد الواحد، القائم على الأوامر الفوقية لا على النقاش أو التوافق.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يصر محمد بن سلمان على إحضار والده إلى مجلس الوزراء بهذه الطريقة المحرجة؟ ولماذا لا يكتفي بإدارة الحكم علنًا باسمه، طالما أنه الحاكم الفعلي بلا منازع؟.

ما يتردد داخل أوساط مقربة من دوائر القرار أن ولي العهد لا يزال بحاجة إلى الاحتماء بشرعية والده الرمزية، خصوصًا في ظل تململ مكتوم داخل بعض أجنحة العائلة الحاكمة، واعتراضات صامتة على أسلوبه الصدامي في إدارة الحكم وإقصاء مراكز القوى التقليدية.

ووجود الملك، حتى ولو بشكل صوري، يوفر لمحمد بن سلمان غطاءً قانونيًا وسياسيًا، ويمنحه مظهر الاستمرارية، ويُبعد عنه شبهة الانقلاب الناعم على التقاليد الملكية. لكنه في المقابل يكشف حجم التناقض في الخطاب الرسمي: دولة تزعم الحداثة والإصلاح، لكنها تُدار فعليًا بمنطق الوصاية، وتستند إلى صور رمزية بدل مؤسسات حقيقية.

الأخطر من ذلك أن هذا المشهد يعكس استخفافًا مزدوجًا: استخفافًا بالملك نفسه، الذي يُستدعى إلى الواجهة رغم وضعه الصحي، ويُستخدم كأداة تبرير لا أكثر؛ واستخفافًا بالشعب، الذي يُطلب منه تصديق أن السلطة لا تزال تُدار وفق الأطر الدستورية، بينما الواقع يقول إن كل الخيوط بيد شخص واحد لا يخضع لأي رقابة أو مساءلة.

في النهاية، تتضح صورة الدولة التي بناها محمد بن سلمان: دولة تستند هيبتها إلى القبضة الأمنية لا إلى الشرعية السياسية، وإلى الخوف لا إلى الرضا، وإلى الإعلام الموجّه لا إلى الشفافية.

فمجلس الوزراء، كما يُعرض اليوم، ليس ساحة لصنع القرار، بل مسرحًا لإنتاج مشاهد محسوبة بعناية. أما القرار الحقيقي، فيُتخذ خلف الأبواب المغلقة، بعيدًا عن أي مساءلة، في نظام لا يرى في المؤسسات سوى ديكور، ولا في القيادة سوى واجهة تُستخدم عند الحاجة.