مفارقة علاقة محمد بن سلمان مع ليندسي غراهام

تكشف العلاقة المتقاربة بين ولي العهد محمد بن سلمان والسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام عن مفارقة سياسية صارخة في المشهد السعودي–الأمريكي.
إذ يحتفظ بن سلمان بعلاقات وثيقة مع أحد أكثر السياسيين الأمريكيين هجومًا على المملكة ويواصل الاحتفاء به في لقاءات متكررة، رغم أن خطاب السيناتور الجمهوري لا يتردد في توجيه الانتقادات والضغوط العلنية على الرياض.
فالسيناتور الأمريكي المعروف بقربه الشديد من إسرائيل وبمواقفه المتشددة تجاه إيران والحقوق الفلسطينية والعرب، لم يتردد مؤخرًا في توجيه رسالة تهديد صريحة للسعودية بسبب موقفها من الحرب الدائرة في المنطقة.
ونشر غراهام عبر حسابه في منصة «إكس» رسالة قال فيها إن السفارة الأمريكية في الرياض يجري إخلاؤها بسبب الهجمات الإيرانية، قبل أن ينتقل مباشرة إلى انتقاد السعودية بسبب رفضها المشاركة عسكريًا في المواجهة مع إيران.
وقال السيناتور الأمريكي إن المملكة ترفض استخدام جيشها “الكفؤ” في مواجهة النظام الإيراني الذي وصفه بالإرهابي، متسائلًا بلهجة استنكار: لماذا تُبرم الولايات المتحدة اتفاقية دفاع مع دولة لا تشارك في معركة ذات مصلحة مشتركة؟.
وأضاف أن الأمريكيين يُقتلون وأن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات لمواجهة إيران، بينما تكتفي السعودية بإصدار بيانات أو القيام بتحركات محدودة دون الانخراط في العمليات العسكرية.
وختم غراهام رسالته بلهجة تحذيرية واضحة: “نأمل أن يتغير هذا الوضع قريبًا، وإلا ستكون هناك عواقب”.
لكن المفارقة أن هذا السيناتور نفسه يحظى بعلاقة شخصية وثيقة مع محمد بن سلمان، الذي استقبله في المملكة مرارًا خلال السنوات الأخيرة في لقاءات اتسمت بطابع ودي واضح.
والتقى بن سلمان غراهام أربع مرات على الأقل خلال ثلاثة أعوام فقط، في أبريل 2023 ثم أكتوبر 2023 ثم يناير 2024 وأخيرًا في فبراير 2026، في لقاءات جرت في أجواء توحي بعلاقة شخصية مريحة بين الطرفين.
ويعد غراهام من أبرز السياسيين الأمريكيين الداعمين لإسرائيل داخل الكونغرس، وهو لا يخفي ذلك إطلاقًا. فقد قال في مقابلة مع قناة فوكس نيوز: “أنا مع إسرائيل، وسأبقى معها حتى آخر يوم من حياتي. إنهم أفضل حليف يمكننا أن نأمله”.
وفي المقابلة نفسها وجّه رسالة مباشرة إلى السعوديين قال فيها إنه مستعد لدعم اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة، مضيفًا: “إذا تعرضتم لهجوم من إيران فسوف نخوض حربًا من أجلكم”.
غير أن هذا العرض بالحماية العسكرية يأتي دائمًا مقرونًا بخطاب ضاغط يطالب الرياض بالانخراط بشكل أكبر في المواجهات الإقليمية، وهو ما ظهر بوضوح في تصريحاته الأخيرة.
ويرى مراقبون أن غراهام يمثل نموذجًا واضحًا لسياسي أمريكي يجمع بين تقديم الوعود الأمنية لدول الخليج وبين ممارسة الضغط عليها لدفعها إلى تبني سياسات تتماشى مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
لكن اللافت في هذه المعادلة أن الرياض لا تبدو متحفظة في التعامل مع هذا الخطاب، بل تستمر في استقبال السيناتور الأمريكي بحفاوة لافتة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الرسالة السياسية التي تبعثها هذه العلاقة.
ففي العادة، تميل الدول إلى التعامل بحذر مع السياسيين الأجانب الذين يوجهون لها انتقادات علنية أو تهديدات سياسية، لكن حالة غراهام تبدو مختلفة، إذ يظهر السيناتور الأمريكي كضيف مرحب به في الرياض رغم سجله الطويل من التصريحات الحادة تجاه المملكة.
وتعكس هذه العلاقة طبيعة التوازن المعقد في العلاقات بين محمد بن سلمان ومراكز النفوذ في واشنطن، حيث يحرص على الحفاظ على علاقات شخصية مع شخصيات نافذة داخل الكونغرس، حتى عندما تكون هذه الشخصيات من أشد المنتقدين للمملكة.




