إعدامات رغم القوانين الدولية… السعودية تواصل قتل قاصرين تحت غطاء “الإرهاب”

أقدمت السلطات السعودية على تنفيذ حكم الإعدام بحق الشاب علي السبيتي قبل أيام في خطوة أثارت موجة انتقادات حادة، باعتبارها ثالث حالة موثقة لعمليات قتل قاصرين على خلفية جرائم يُزعم ارتكابها خلال مرحلة الطفولة خلال أقل من ثمانية أشهر.
وجاء تنفيذ الحكم، الذي شمل أيضاً إعدام عمه مصطفى السبيتي في القضية ذاتها، ليعزز الاتهامات المتزايدة بأن الرياض تمضي في سياسة تتجاهل بشكل صريح التزاماتها الدولية، خاصة ما يتعلق بحظر إعدام القاصرين.
وتُظهر هذه القضية نمطاً متكرراً في استخدام تهم “الإرهاب” ذات التعريف الفضفاض لتبرير إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، حتى في حالات ترتبط بأنشطة احتجاجية أو ممارسات تدخل في إطار حرية التعبير والتجمع.
وبحسب المعطيات، فإن علي السبيتي اعتُقل عام 2017 وهو في سن صغيرة، واحتُجز في ظروف قاسية، شملت الحبس الانفرادي لفترات طويلة، مع مزاعم بتعرضه للتعذيب وحرمانه من التواصل مع محامٍ أو أسرته خلال مراحل التحقيق.
وخضع لمحاكمة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي جهة قضائية تُستخدم عادة للنظر في قضايا “الإرهاب”، في إجراءات وصفها حقوقيون بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير العدالة، قبل أن يُصدر بحقه حكم الإعدام في عام 2022.
وتعود التهم الموجهة إليه إلى مشاركته في احتجاجات عام 2011، حين كان مراهقاً، حيث شملت الاتهامات “المشاركة في تجمعات” و”السعي لزعزعة الوحدة الوطنية”، إلى جانب مزاعم أخرى، ما يعكس توسيعاً خطيراً لمفهوم الجرائم التي تستوجب أقصى العقوبات.
وتأتي هذه الإعدامات في تناقض صارخ مع التزامات السعودية بموجب اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر بشكل قاطع تنفيذ أحكام الإعدام بحق أشخاص ارتكبوا جرائم وهم دون الثامنة عشرة من العمر.
ورغم إعلان السلطات السعودية في عام 2020 عن إصلاحات تحد من إعدام القاصرين، فإن هذه الإجراءات تضمنت استثناءات واسعة، خاصة في القضايا المصنفة ضمن “الإرهاب”، ما أبقى الباب مفتوحاً لاستمرار هذه الممارسة.
وقد أكدت هيئة حقوق الإنسان السعودية في وقت سابق أنه لن يتم تنفيذ أحكام إعدام بحق قاصرين، غير أن الوقائع على الأرض، بما في ذلك إعدام علي السبيتي، تكشف تناقضاً واضحاً بين التصريحات الرسمية والتطبيق الفعلي.
ولا تقتصر المخاوف على الحالات المنفذة، بل تمتد إلى عدد من المعتقلين الآخرين الذين يواجهون خطر الإعدام الوشيك، بينهم يوسف المناسف وعلي المبيوق وجواد قريريص وحسن الفرج، بعد تثبيت أحكام الإعدام بحقهم.
وكان خبراء تابعون للأمم المتحدة قد دعوا مراراً إلى الإفراج عن عدد من هؤلاء، معتبرين أن احتجازهم وأحكام الإعدام الصادرة بحقهم تفتقر إلى الأسس القانونية السليمة.
وتشير هذه التطورات إلى تصعيد واضح في استخدام عقوبة الإعدام، التي باتت تُوظف بشكل متزايد في سياقات سياسية، خصوصاً ضد أبناء الأقلية الشيعية، في ظل توترات داخلية وإقليمية متصاعدة.
وتعكس الأرقام الرسمية هذا التصعيد، حيث سجلت السعودية في عام 2025 أعلى عدد من الإعدامات في تاريخها، بلغ 356 حالة، في حين استمرت الوتيرة المرتفعة خلال عام 2026، مع تنفيذ 54 حكماً حتى الآن.
واللافت أن نسبة كبيرة من هذه الإعدامات نُفذت على خلفية جرائم غير مميتة، بما في ذلك قضايا مرتبطة بالمخدرات أو تهم “إرهابية” فضفاضة، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تقصر عقوبة الإعدام على “أشد الجرائم خطورة”، أي تلك التي تنطوي على القتل العمد.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه السياسة يقوض مصداقية أي حديث عن إصلاحات قانونية أو انفتاح حقوقي، ويعكس تمسكاً بنهج أمني قائم على الردع القاسي، حتى على حساب المعايير الأساسية للعدالة.
كما تثير هذه الممارسات تساؤلات حول جدية التزامات الرياض الدولية، في وقت تسعى فيه إلى تقديم نفسها كشريك دولي منفتح، بينما تستمر في تطبيق سياسات تُصنف ضمن الأكثر تشدداً على مستوى العالم.
وتؤكد منظمات حقوقية أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد تطبيق للقانون، بل يمثل نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات، يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الإعدامات.
وفي هذا السياق، جددت الدعوات لفرض وقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام في السعودية، تمهيداً لإلغائها بشكل كامل، مع ضرورة مراجعة القوانين التي تسمح بتطبيقها في قضايا لا ترقى إلى مستوى الجرائم الأشد خطورة.
وتبقى قضية علي السبيتي مثالاً صارخاً على هذا النهج، حيث يتحول القضاء من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لتكريس العقاب السياسي، في مشهد يعكس أزمة عميقة في منظومة العدالة وحقوق الإنسان في المملكة.




