
في كل ظهور علني لمحمد بن سلمان، لا تعود الصورة مجرد مناسبة بروتوكولية، بل اختباراً لمعنى الهيبة وحدودها حيث يفضح درع ولي العهد طبيعة علاقته بشعبه وخوفه الدائم.
فالمشهد الذي أراد محمد بن سلمان له أن يكون استعراضاً للثقة والسيطرة واستغلال مناسبة شهر رمضان، انقلب بفعل التفاصيل إلى سردية أخرى، أكثر سخرية وأقل طمأنينة.
والملفت هنا ليس كثافة الحراسة وحدها، فهذه مألوفة لدى قادة كثيرين، بل الكيفية التي تُعرض بها، حيث مواكب مُفرغة من الناس، مسارات معقمة، إجراءات تُعلن عن نفسها أكثر مما تُخفي، وكأن الهدف لم يعد حماية الشخص بقدر ما هو إرسال رسالة: “الاقتراب ممنوع”. هنا، تتراجع فكرة الزعامة القريبة من المجتمع، ويبرز بدلاً منها نموذج الزعامة المُحصنة من المجتمع.
حتى الطقوس الدينية حيث يفترض أن تتساوى الصفوف وتخف الفواصل بدت وكأنها تُدار بمنطق أمني صِرف. في مشاهد كهذه، يغدو الخشوع خلف الكاميرات أقل حضوراً من الحواجز أمامها. وما يُفترض أن يكون لحظة جامعة، يتحول إلى مشهدٍ مُجزأ: قادة في المقدمة، وحراسة في كل اتجاه، وعامة غائبون تماماً.
والسخرية هنا ليست في الحراسة نفسها، بل في الإفراط بعرضها. فالهيبة، في المخيال العام، لا تُصنع بكثرة الأطواق، بل بقدرة القائد على الوقوف بين الناس دون أن يتحول المكان إلى ثكنة.
فحين تُغلق الشوارع وتُقطع الإشارات وتُفرغ الساحات، لا يشعر المواطن بالقوة بقدر ما يشعر بالمسافة. والمسافة، حين تطول، تُفقد السلطة لغتها المشتركة مع المجتمع.
يقول المدافعون إن الزمن تغير، وإن المخاطر تفرض احتياطات استثنائية. هذا صحيح جزئياً. لكن ما الذي ترويه الصورة حين تصبح الاحتياطات هي العنوان؟ ما الذي يفهمه الناس عندما تُقدم القوة في قالب الخوف؟ هنا تحديداً تنقلب الرسالة: بدل أن تُطمئن، تُقلق؛ وبدل أن تُظهر الثبات، تُبرز القلق.
ثمة مفارقة أخرى: في دولٍ كثيرة، نرى زعماء يسيرون في مسارات عامة، تحفهم حراسة غير صاخبة، ويحيط بهم مواطنون لا يُعامَلون كخطر محتمل. المشهد هناك يقول إن الدولة واثقة من نفسها. أما حين تُدار الزيارة بمنطق “إخلاء كامل”، فالصورة تقول شيئاً آخر: السلطة تخشى المفاجأة، حتى لو كانت ابتسامة.
السخرية تبلغ ذروتها عندما يُراد للطقس الديني أن يرمم المعنى. الدعاء حاضر، لكن القلق حاضر أكثر. الكلمات منمقة، غير أن الصورة تفضح ارتباكاً. فالخشية لا تُغطيها البلاغة، ولا تُبددها الحشود المُصطنعة. الهيبة، إن لم تكن طبيعية، لا تنشأ من التضخيم.
لا أحد يُنكر حق أي مسؤول في الحماية. لكن الفرق كبير بين حمايةٍ هادئة، وحمايةٍ تستعرض نفسها. الأولى تُشعر الناس بالأمان، والثانية تُذكرهم بالفاصل. ومع تكرار المشهد، يصبح الاستعراض عادة، وتتحول العادة إلى اعتراف غير مباشر: أن العلاقة مع المجتمع لم تعد علاقة ثقة، بل إدارة مخاطر.
الخلاصة أن الظهور المُبالغ في تحصينه لا يصنع هيبة بقدر ما يكشف مزاجاً. وما يراه الناس في المواكب ليس ما يُراد لهم أن يروه، بل ما يُفهم بلا شرح: سلطة تخشى القرب، وتخلط بين القوة والقلق. وفي السياسة، كما في الصورة، الفارق بينهما يحدده الجمهور—لا الحراسة.