
تواصل السلطات السعودية، من دون إعلان رسمي، تخفيف القيود المفروضة على تداول المشروبات الكحولية داخل المملكة، في خطوة تمثل كسرًا عمليًا لمحظور استمر لعقود، وتندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والاقتصادية بما يخدم أهداف جذب السياحة ورؤوس الأموال الأجنبية واستقطاب المقيمين ذوي الدخل المرتفع، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
وبحسب التقرير، بدأت السلطات السعودية خلال الأسابيع الأخيرة بالسماح لغير المسلمين من حاملي “الإقامة المميزة” — الممنوحة لأصحاب الكفاءات العالية أو الثروات الكبيرة — بشراء البيرة والنبيذ والمشروبات الروحية من متجر واحد في العاصمة الرياض. وجرت هذه الخطوة بهدوء كامل ومن دون أي بيان حكومي، اعتمادًا على آلية وصول محدودة ومشددة.
ويشير مطلعون ومحللون إلى أن هذه الخطوة تمثل مرحلة أولى ضمن مسار أُعدّ منذ سنوات، وقد يتبعها السماح بتقديم الكحول في فنادق ومنتجعات حصرية، خصوصًا في مشاريع البحر الأحمر التي تروج لها السعودية كوجهات سياحية عالمية. ويُرجح أن يكون التوسع في هذا المسار تدريجيًا ومحكومًا باعتبارات دينية واجتماعية.
وقال مايكل راتني، السفير الأميركي السابق لدى السعودية، إن إدخال الكحول كان متوقعًا، مشيرًا إلى مؤشرات سبقت القرار، بينها انتشار مطاعم حديثة مجهزة ببنية تحتية لحانات غير مستخدمة.
واعتبر راتني أن التحول يأتي ضمن رؤية ولي العهد محمد بن سلمان لتطبيع صورة المملكة عالميًا، من دون القطيعة الكاملة مع حساسيات الداخل.
ويأتي هذا التطور ضمن سلسلة تغييرات اجتماعية شهدتها المملكة منذ عام 2017، شملت السماح للنساء بالقيادة، وفتح دور السينما، وتنظيم المهرجانات الموسيقية، وتقليص نفوذ الشرطة الدينية، في إطار مشروع لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وتسعى السعودية في الوقت نفسه إلى تعزيز مكانتها كوجهة للأحداث الرياضية والترفيهية الكبرى، من استقطاب نجوم كرة القدم العالميين إلى استضافة سباقات “فورمولا 1”، وصولًا إلى تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2034، وهي فعاليات ترتبط في العادة بثقافة استهلاك الكحول في السياق العالمي.
ويصف مقيم أجنبي اشترى الكحول مؤخرًا من متجر غير معلن في الحي الدبلوماسي بالرياض إجراءات الشراء بأنها صارمة، إذ جرى التحقق من ديانته ووضع إقامته، ومنعه من استخدام هاتفه داخل المتجر.
وأضاف أن الأسعار مرتفعة مقارنة بالأسواق الغربية، لكنها أقل من السوق السوداء، ما يقلل من مخاطر المشروبات المهربة أو المنزلية.
اقتصاديًا، يأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا مالية مع تباطؤ سوق الطاقة، وتقليص بعض المشاريع العملاقة مثل مدينة “نيوم”.
ويرى نيل كويليام، الباحث في معهد تشاتام هاوس، أن الحكومة تركز على جذب النخب والسياح لتعويض التباطؤ الاقتصادي المتوقع.
ورغم هذا الانفتاح المحدود، لا تزال السعودية متأخرة في ملفات حقوق الإنسان، بحسب منظمات دولية، مع استمرار الإعدامات وتقييد الحريات السياسية وتجريم المثلية الجنسية.
ويُتوقع أن تحاكي المملكة نموذج الإمارات، بالسماح بالكحول في مناطق محددة مع حظره في المدن المقدسة، في محاولة لتحقيق توازن بين التحديث والحساسية الدينية.