رؤية 2030 على المحك: نفط عند 60 دولاراً يفرض إيقاف تحولاً قسرياً في إنفاق السعودية

تواجه رؤية السعودية 2030 اختبارها الأصعب منذ إطلاقها، مع تراجع أسعار النفط إلى حدود 60 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يقلّ كثيراً عن السعر الذي تحتاجه الرياض لتمويل مشاريعها العملاقة دون استنزاف مالي واسع.
وبحسب مراقبين فإن هذا التراجع لم يبقَ نظرياً في جداول الأسعار، بل تُرجم سريعاً إلى قرارات قاسية: إيقاف مشروع «المكعب» (Mukaab) في الرياض، تقليص مشاريع نيوم، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، في تحول واضح من خطاب التوسع الطموح إلى إدارة أكثر حذراً للموارد.
وقد أُوقف العمل في «المكعب» بعد أن بلغت كلفته التقديرية نحو 50 مليار دولار، بينما لم تتجاوز العقود المنفذة فعلياً 100 مليون دولار فقط، مع ترحيل التنفيذ إلى ما بعد عام 2040 ما شكل اعترافاً ضمنياً بأن المشروع، الذي قُدّم بوصفه أيقونة معمارية عالمية، لم يعد متوافقاً مع واقع مالي ضاغط.
ولم يكن «المكعب» استثناءً. ففي نيوم، جرى تقليص وإعادة تصميم عدد من المشاريع، وفي مقدمتها «ذا لاين»، بعد أن كانت الخطة الأصلية تمتد على 170 كيلومتراً.
كما أُعلن عن تأجيل استضافة «ألعاب آسيا الشتوية 2029»، في خطوة عكست اختلال الجداول الزمنية وتآكل القدرة على الالتزام بتعهدات ضخمة. هذه القرارات مجتمعة تشير إلى أن الرؤية، التي راهنت على التسارع والإنجازات الصادمة، اصطدمت بحدود التمويل.
وعلى صعيد الطاقة، زاد الضغط مع استمرار إنتاج تحالف أوبك+ بمستويات مرتفعة نسبياً، ما ساهم في إبقاء الأسعار منخفضة. ومع أن السعودية لطالما قادت سياسات خفض الإنتاج لتحقيق توازن السوق، إلا أن الواقع الحالي فرض معادلة أصعب: أسعار متراجعة، وحاجة داخلية متنامية للإنفاق، وهو ما يضيق هامش المناورة.
وانعكس هذا المشهد مباشرة على صندوق الاستثمارات العامة، الذراع الاستثمارية الأبرز للدولة. فقد أعاد الصندوق تموضعه الاستثماري بعد شطب خسائر بمليارات الدولارات، وتحوّل من الرهانات عالية المخاطر إلى توزيع أكثر تحفظاً للأصول.
وتشير تقديرات إلى أن أصول الصندوق بلغت نحو 925 مليار دولار، إلا أن جزءاً من هذه القيمة تعرّض لضغوط نتيجة استثمارات خاسرة في شركات وأسواق خارجية، ما فرض مراجعة الأولويات.
في الداخل، يتزامن ذلك مع عجز متزايد في الناتج المحلي، إذ تحتاج الرياض — وفق تقديرات غير رسمية — إلى سعر نفط يناهز 90 دولاراً للبرميل لتحقيق توازن مالي مريح. ومع بقاء الأسعار قرب 60 دولاراً، ارتفع العجز إلى نحو 5% من الناتج، وهو ما يعمّق الفجوة بين الطموحات المعلنة والقدرة الفعلية على التمويل.
وتدافع السلطات السعودية بأن ما يجري هو «إعادة ضبط» طبيعية في مسار إصلاحي طويل، وأن تقليص المشاريع لا يعني التخلي عن الرؤية بل ضمان استدامتها.
غير أن منتقدين يرون في هذه القرارات دليلاً على أن الرؤية بُنيت على افتراضات نفطية متفائلة، وأن الصدمة الحالية كشفت هشاشة نموذج يعتمد على تمويل ضخم سريع دون عوائد فورية.
والأثر لا يقتصر على المشاريع العملاقة. فإعادة ترتيب الإنفاق تعني بالضرورة تشديداً مالياً قد يطال برامج اجتماعية وفرص عمل مرتبطة بالقطاعين العام وشبه العام، كما ينعكس على وتيرة جذب الاستثمارات الأجنبية التي راهنت على زخم لا ينقطع.
ومع تراجع الاندفاع، يبرز سؤال الثقة: هل تستطيع السعودية الحفاظ على صورة «ورشة العمل المفتوحة» في ظل قرارات التجميد والتأجيل؟.
سياسياً، يحاول الخطاب الرسمي تحويل الانتباه إلى «تنويع الاقتصاد» و«جذب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي»، لكن هذه القطاعات نفسها تحتاج إلى بيئة إنفاق مستقرة وحوافز طويلة الأجل. ومع انكماش الهامش المالي، قد تتحول المنافسة الإقليمية على الاستثمارات إلى عامل ضغط إضافي، خاصة مع عروض أكثر جاذبية في أسواق مجاورة.
وفي المحصلة يكشف تراجع النفط إلى 60 دولاراً للبرميل عن لحظة مفصلية في مسار رؤية 2030: انتقال قسري من مرحلة التوسع الطموح إلى إدارة أكثر حذراً، ومن مشاريع أيقونية مكلفة إلى أولويات أقل بهرجة وأكثر انتقائية.
فما يجري ليس «تعليقاً مؤقتاً» بقدر ما هو إعادة كتابة للرهانات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع السعودية إعادة ضبط رؤيتها دون أن تفقد زخمها السياسي والاقتصادي، أم أن الاختبار المالي سيعيد تعريف الطموح برمّته؟.




