خطة اقتصادية جديدة لمحمد بن سلمان وسط ضغوط مالية وتراجع مشاريع عملاقة

في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطاً مالية متزايدة وتحديات اقتصادية معقدة، تعمل الحكومة على إعداد نسخة محدثة من خطة التنويع الاقتصادي المرتبطة بولي العهد محمد بن سلمان، في مشروع تقدر قيمته بنحو تريليوني دولار.
غير أن الإعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة يثير تساؤلات متزايدة حول جدوى السياسات الاقتصادية الحالية، وما إذا كانت تمثل تحولاً واقعياً أم مجرد إعادة تسويق لأهداف سابقة لم تتحقق كما وعدت.
وصرح وزير المالية محمد الجدعان بأن الحكومة بدأت بالفعل مناقشات حول كيفية تقديم الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة للسنوات الخمس المقبلة، مشيراً إلى أن القطاعات الرئيسية المستهدفة تشمل السياحة والتصنيع واللوجستيات والتكنولوجيا.
لكن غياب التفاصيل الدقيقة، أو جدول زمني واضح لإطلاق الخطة، أعاد إلى الواجهة انتقادات متكررة حول غموض المشاريع الاقتصادية الكبرى المرتبطة برؤية ولي العهد.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسجل فيه السعودية عجزاً في الميزانية منذ عام 2022، نتيجة استمرار الإنفاق الضخم على مشاريع التنويع الاقتصادي مقابل تراجع نسبي في الإيرادات النفطية بسبب تقلبات الأسعار العالمية.
ورغم تأكيد المسؤولين أن العجز خيار استثماري مقصود لدعم التحول الاقتصادي، فإن عدداً من الاقتصاديين يرون أن المخاطر المالية تتزايد، خاصة مع ارتفاع احتياجات التمويل الحكومي إلى عشرات المليارات سنوياً.
ويعزز هذا الجدل التراجع الواضح في بعض المشاريع العملاقة التي تم الترويج لها كرموز لمستقبل الاقتصاد السعودي، وعلى رأسها مشروع “ذا لاين” في نيوم.
فبينما تم تقديم المشروع في البداية كمدينة مستقبلية تمتد لمسافة 170 كيلومتراً وتستوعب ملايين السكان، تشير المعطيات الحالية إلى تقلص التنفيذ إلى مساحات محدودة فقط، وسط تقارير عن تباطؤ البناء ومغادرة شركات استشارية ومقاولين دوليين.
واللافت أن هذا التراجع يجري دون إعلان رسمي صريح عن تقليص المشروع، بل عبر تعديل الأهداف الزمنية وخفض التوقعات السكانية، ما يثير انتقادات حول غياب الشفافية في إدارة المشاريع العملاقة.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول حجم الأموال التي تم إنفاقها بالفعل، ومن سيتحمل مسؤولية القرارات الاستثمارية إذا ثبت أن بعض هذه المشاريع لم تكن قابلة للتطبيق اقتصادياً أو هندسياً.
كما يواجه نموذج التحول الاقتصادي السعودي تحدياً هيكلياً يتمثل في الاعتماد المستمر على عائدات النفط لتمويل مشاريع التنويع نفسها. فبينما تهدف الرؤية إلى تقليل الاعتماد على النفط، تعتمد معظم المشاريع العملاقة على تمويل مرتبط بشكل مباشر بإيرادات الطاقة، ما يجعل الخطة عرضة لأي هبوط طويل الأمد في أسعار النفط.
ويقول منتقدون إن بعض المشاريع العملاقة تم تصميمها أساساً كرموز سياسية وإعلامية أكثر من كونها مشاريع اقتصادية قائمة على حسابات الطلب الحقيقي أو الجدوى المالية طويلة المدى.
ويرى هؤلاء أن التركيز على المشاريع الضخمة عالية التكلفة جاء أحياناً على حساب تطوير البنية الاقتصادية التقليدية مثل دعم الشركات الصغيرة، أو تحديث المدن القائمة، أو الاستثمار في التعليم وسوق العمل بشكل أعمق.
على الصعيد الاجتماعي، تثير هذه المشاريع أيضاً جدلاً واسعاً داخل المملكة، خاصة بعد عمليات إخلاء بعض المناطق لصالح المشاريع العملاقة، في وقت لا تزال فيه النتائج الاقتصادية الفعلية أقل من التوقعات التي رُوج لها في السنوات الأولى من إطلاق رؤية 2030.
كما تواجه الاستراتيجية الاقتصادية السعودية تحدياً إضافياً يتمثل في جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث أصبح المستثمرون أكثر حذراً تجاه المشاريع الضخمة التي تعتمد على توقعات مستقبلية طموحة أكثر من اعتمادها على مؤشرات اقتصادية حالية واضحة.
وفي السياق الدولي، يزداد الضغط على السعودية لإظهار قدر أكبر من الشفافية الاقتصادية، خاصة مع مطالبة مؤسسات مالية دولية بتوضيح الخطط طويلة المدى وكيفية إدارة الديون وتمويل المشاريع الكبرى.
ويرى محللون أن إطلاق نسخة محدثة من الاستراتيجية الاقتصادية قد يكون محاولة لإعادة ضبط التوقعات وإعادة ترتيب الأولويات بعد سنوات من الإنفاق المكثف، لكن التحدي الأكبر سيبقى في تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وليس مجرد أهداف طموحة على الورق.
وبحسب مراقبين تبدو السعودية اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي حساس: فإما أن تنجح في تحويل مشاريعها العملاقة إلى محركات نمو حقيقية، أو تواجه خطر تراكم مشاريع مكلفة لم تحقق العائد المتوقع.




