
تكشف الذكرى السنوية التاسعة لتولي محمد بن سلمان ولاية العهد عن مسار متصاعد من تركيز السلطة في يد شخص واحد، بعد أن جمع ولي العهد عشرات المناصب التنفيذية والاقتصادية والسياسية في الدولة، بما يعكس احتكاراً غير مسبوق لآليات صنع القرار داخل المملكة.
ويُظهر تتبع المناصب التي يشغلها محمد بن سلمان اتساع نطاق سيطرته على مؤسسات الحكم والاقتصاد والأمن في السعودية. فقد أصبح ولي العهد خلال السنوات الماضية المرجعية الأساسية لمعظم القرارات الكبرى في البلاد، سواء في الملفات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية.
ويؤكد مراقبون أن تعدد المناصب التي يشغلها ولي العهد لا يعكس تنوعاً في الكفاءات بقدر ما يكشف عن نزعة متزايدة لاحتكار مراكز القرار.
ويرى هؤلاء أن جمع هذا العدد الكبير من المسؤوليات في يد شخص واحد يتعارض مع منطق التخصص الإداري الذي تقوم عليه أنظمة الحكم الحديثة.
ويربط باحثون هذا التوسع في المناصب بملامح شخصية محمد بن سلمان التي يصفها بعض المتابعين بأنها تميل إلى السعي الدائم للظهور والبروز السياسي والإعلامي.
ويشير هؤلاء إلى أن رفض النقد أو الاعتراض بات سمة واضحة في إدارة الملفات الداخلية، خصوصاً بعد اعتقال عدد من الأكاديميين والخبراء الذين انتقدوا السياسات الاقتصادية المرتبطة برؤية 2030.
ويرصد متابعون أن مسار صعود محمد بن سلمان إلى قمة السلطة ارتبط بسلسلة من التعيينات والقرارات التي عززت نفوذه داخل الدولة.
فقد بدأ مسيرته السياسية بمنصب مستشار متفرغ في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وهو منصب أثار تساؤلات في حينه حول المؤهلات التي أهلته للعمل كمستشار في أعلى مؤسسة تشريعية في الحكومة.
وانتقل لاحقاً إلى منصب مستشار خاص لأمير منطقة الرياض بدعم مباشر من والده الملك سلمان بن عبد العزيز، قبل أن تتسارع خطواته داخل هرم السلطة وصولاً إلى تعيينه ولياً لولي العهد ثم ولياً للعهد بعد إقصاء الأمير محمد بن نايف في عام 2017.
وعزز محمد بن سلمان بعد توليه ولاية العهد موقعه بوصفه الحاكم الفعلي للمملكة، وأصبح المسؤول الأول عن رسم السياسات الخارجية والاقتصادية للدولة.
وقد شهدت هذه المرحلة تحولات حادة في توجهات السياسة السعودية، بما في ذلك توترات إقليمية متصاعدة وتغييرات في طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية.
ويشير مراقبون إلى أن أحد أبرز مظاهر تركيز السلطة تمثل في إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وتغيير مسميات العديد من الهيئات القائمة، ثم تولي رئاستها بشكل مباشر.
فقد استُبدل اسم مجلس الأمن الوطني السعودي بمجلس الشؤون السياسية والأمنية، بينما تغير اسم هيئة تطوير مدينة الرياض إلى الهيئة الملكية لمدينة الرياض، كما استُحدثت الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية بديلاً عن الإدارة المركزية للمساحة.
ويشير محللون إلى أن هذه التغييرات المؤسسية رافقها انتقال واضح للسلطة التنفيذية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بولي العهد.
وإلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات القائمة، شهدت السنوات الماضية استحداث عشرات الهيئات والشركات والمجالس الجديدة التي يتولى محمد بن سلمان رئاستها أو الإشراف المباشر عليها. وتشمل هذه المؤسسات مجالات اقتصادية وتنموية وثقافية متعددة.
من أبرز هذه الكيانات مؤسسة مسك الخيرية التي تأسست عام 2011، ومركز الملك سلمان للشباب عام 2012، ثم مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي أُنشئ في يناير 2015 ليصبح إحدى أهم أدوات إدارة الاقتصاد السعودي.
كما جرى نقل الإشراف على صندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادي في المملكة، من وزارة المالية إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه ولي العهد.
وشهد عام 2017 إطلاق عدد كبير من المشاريع والمؤسسات الجديدة، من بينها شركة القدية للاستثمار، والهيئة الملكية لمحافظة العلا، وهيئة تطوير بوابة الدرعية، إضافة إلى شركة البحر الأحمر للتطوير ومشروع مدينة نيوم العملاق.
كما شملت قائمة المؤسسات الجديدة نادي الإبل ونادي الصقور، إلى جانب الهيئة العامة للصناعات العسكرية وصندوق التنمية الوطني.
وفي السنوات اللاحقة استمر إنشاء المزيد من الهيئات واللجان، مثل المحميات الملكية السعودية، والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ومجلس مشروع أمالا، ومؤسسة هيفولوشن الخيرية، إضافة إلى مشاريع الرياض الكبرى ومؤسسة المسار الرياضي.
كما أُنشئت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في عام 2019، ثم اللجنة العليا للبحث والتطوير والابتكار في عام 2021، ضمن سلسلة مؤسسات جديدة ترتبط بشكل مباشر بولي العهد.
ويرى محللون أن هذا التوسع في إنشاء المؤسسات والهيئات يعكس رغبة واضحة في إعادة تشكيل البنية الإدارية للدولة بطريقة تضمن تركيز القرار في دائرة محدودة حول ولي العهد.
ويتم ذلك بموازاة تراجع دور المؤسسات التقليدية في صنع القرار، مع تزايد هيمنة الدوائر المقربة من ولي العهد على إدارة الملفات الحساسة.
وتترافق هذه التحولات مع تراجع مساحة النقد داخل المملكة، حيث أن العديد من الأصوات الأكاديمية والاقتصادية التي حاولت مناقشة السياسات الحكومية تعرضت للإقصاء أو الاعتقال خلال السنوات الماضية.
وتتمثل النتيجة المباشرة لهذه التحولات في ترسيخ نمط حكم شديد المركزية، يقوم على تركيز السلطة التنفيذية والاقتصادية في يد ولي العهد.