كحول للأثرياء وصمت للفقراء: السعودية تغيّر هويتها بصمت وتسوّق الانفتاح لمن يملك الثمن

شرعت السلطات السعودية بهدوء في السماح للأجانب الأثرياء بشراء الكحول، وتستعد لتخفيف القيود بصمت على تقديمه داخل الفنادق والمنتجعات السياحية في انفتاح محسوب ومُسيّج بالثروة، لا بحقوق المواطنة ولا بإرادة المجتمع.
وأبرزت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أنه لعقود، ظل الحي الدبلوماسي في الرياض عالماً منفصلاً عن المدينة؛ جيباً راقياً للسفارات والمساكن الفاخرة والمقاهي الهادئة.
واليوم، يتحوّل أحد مجمّعاته غير المعلَّمة إلى مختبر سياسي واجتماعي حساس: متجر صغير لبيع الكحول، لا يراه السعوديون، ولا يُسمح بدخوله إلا لغير المسلمين من أصحاب الدخل المرتفع. لا إعلان رسمي، لا نقاش عام، ولا حتى اسم على الخرائط. كل شيء يتم همساً.
وأبرزت الهيئة أن السعودية التي حظرت بيع الكحول عام 1952 بوصفها “موطن الحرمين”، تمضي منذ أعوام في إعادة صياغة صورتها تحت قيادة محمد بن سلمان.
فقد أعيد فتح دور السينما، استُضيفت حفلات موسيقية عالمية، رُفعت قيود اجتماعية طالما قُدِّمت كـ“ثوابت”، وتراجعت سطوة هيئة الأمر بالمعروف.
غير أن السماح القانوني بالكحول يبدو أكثر من مجرد إصلاح اجتماعي؛ إنه إعلان ضمني بأن المحرّمات قابلة للتفاوض… إذا كان المقابل استثماراً أو إقامة مميزة.
فالقواعد الجديدة، التي أُقرت نهاية 2025 دون إعلان، تضع عتبة مالية واضحة: إما “إقامة مميزة” بثمن 100 ألف ريال سنوياً، أو راتب لا يقل عن 50 ألف ريال شهرياً. الدين مُسجَّل على بطاقة الإقامة، والهواتف تُصادَر مؤقتاً، والطوابير قد تطول ساعة.
كما أن الأسعار أعلى بمرتين أو ثلاث من الأسواق الغربية، لكنها أقل من السوق السوداء. الرسالة واضحة: الكحول ليس حقاً ولا حتى خياراً ثقافياً، بل خدمة نخبوية مدفوعة الثمن.
هذا “الانفتاح” لا يلغي واقعاً ظل قائماً لعقود. الكحول كان حاضراً، لكن في الظل: عبر سفارات تستورد بلا سقف، وأسواق سوداء، ومشروبات منزلية الصنع. الجديد ليس وجود الكحول، بل تقنينه انتقائياً، وإدخاله في حسابات الدولة الاقتصادية، مع الحفاظ على خطاب ديني-اجتماعي موجّه للداخل، لا يتغير إلا ببطء شديد.
في هذه الأثناء فإن التوقيت ليس بريئاً. أسعار النفط التي تجاوزت 100 دولار عام 2022 تراجعت إلى نطاق 60–66 دولاراً للبرميل. مشاريع عملاقة مثل “نيوم” تقلّصت أو تأخرت. المالية العامة مشدودة، والرهان على السياحة والترفيه بات ضرورة لا ترفاً.
وتريد المملكة 70 مليون سائح بحلول 2030، وتستعد لإكسبو 2030 وكأس العالم 2034. في هذا السياق، يصبح الكحول “أداة جذب” للسائح الغربي والمغترب عالي الدخل.
لكن المفارقة أن هذا التحول يُدار بمنطق السوق لا بمنطق المجتمع. لا حوار عام، لا نقاش فقهي شفاف، ولا حتى اعتراف رسمي. كل شيء يُختبر بهدوء، مع استعداد “للتقدم خطوتين والتراجع خطوة”،
كما يصفه باحثون. هكذا تُدار الحساسية: سياسة بالقطّارة، تُراعي المستثمر قبل المواطن، وتُطمئن الخارج قبل الداخل.
بموازاة ذلك فإن القطاع الفندقي يستعد بدوره. توظيف نُدُل مختصين بالمشروبات، صياغة إعلانات وظائف بمهارات “غير مُصرّح بها”، وترقّب لليوم الذي تُفتح فيه الأبواب للسياح. التوقعات تشير إلى أن منتجعات البحر الأحمر والعُلا قد تكون السباقة.
غير أن السؤال الأعمق يبقى بلا إجابة: ما الذي يتغير فعلاً في السعودية؟ هل نحن أمام تحديث اجتماعي شامل، أم إعادة هندسة انتقائية للهوية بما يخدم رأس المال والسياحة؟ حين يُمنح الأجنبي الثري ما يُحظر على المواطن العادي، لا يعود النقاش أخلاقياً أو دينياً، بل سياسياً طبقيّاً.
الكحول هنا ليس سوى عرض لخلل أوسع: دولة تُعيد تعريف “المسموح” و“الممنوع” وفق ميزان الربح والخسارة، وتُبقي المجتمع في موقع المتفرج. قد تنجح هذه السياسة في جذب سائح أو مستثمر، لكنها تطرح ثمناً آخر: تآكل الصدقية، واتساع الفجوة بين خطاب رسمي محافظ وممارسة اقتصادية براغماتية لا تعترف إلا بمن يملك الثمن.




