المشاريع العملاقة في السعودية تُبنى على حساب العمال وتهجير السكان

تكشف تقارير حقوقية متطابقة عن صورة مقلقة خلف المشاريع العملاقة التي تروّج لها السعودية ضمن رؤية 2030، حيث تتزايد الاتهامات بانتهاكات واسعة تمس حقوق العمال المهاجرين والمجتمعات المحلية، في ظل سباق محموم لتنفيذ مشاريع ضخمة مثل نيوم و”ذا لاين” والتحضير لاستضافة كأس العالم 2034.
وسلّطت منظمات دولية الضوء على فجوة صارخة بين الخطاب الرسمي الذي يقدّم هذه المشاريع باعتبارها نموذجًا للابتكار والاستدامة، وبين واقع ميداني يصفه الحقوقيون بأنه “مبني على الاستغلال والتهجير القسري”.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المشاريع تعتمد على قوة عاملة تتجاوز 16 مليون شخص، يشكّل العمال المهاجرون غالبيتهم الساحقة، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من ظروف عمل قاسية تشمل ساعات طويلة، وأجور متأخرة أو غير مدفوعة، إضافة إلى العمل تحت درجات حرارة مرتفعة تهدد السلامة الجسدية.
وتؤكد التقارير أن كثيرًا من هؤلاء العمال يعيشون في أوضاع قانونية هشة، مع محدودية في الوصول إلى آليات الشكوى والانتصاف، ما يجعلهم عرضة للاستغلال دون حماية فعلية.
وتتزامن هذه الانتهاكات مع تسارع وتيرة البناء في مشاريع عملاقة مثل نيوم وذا لاين، التي تُقدَّم عالميًا كرموز لمستقبل حضري جديد، لكنها تثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول كلفة هذا “المستقبل” على البشر.
ولم تتوقف الانتقادات عند ملف العمال، بل امتدت إلى اتهامات بعمليات إخلاء قسري استهدفت سكانًا محليين، خصوصًا من قبيلة الحويطات، الذين أفادت تقارير بأنهم أُجبروا على مغادرة أراضيهم التاريخية لإفساح المجال أمام المشاريع.
وأشارت المنظمات الحقوقية إلى أن بعض أفراد القبيلة تعرضوا للاعتقال بعد معارضتهم السلمية لعمليات التهجير، في مؤشر خطير على تضييق مساحة التعبير ورفض أي اعتراض على المشاريع الحكومية.
وتعكس هذه الوقائع، بحسب منظمات حقوقية، انتهاكات محتملة لحقوق أساسية، تشمل الحق في السكن، والحق في العمل اللائق، وحرية التعبير، ما يضع السعودية أمام انتقادات دولية متزايدة.
رغم ذلك، تواصل السلطات السعودية الترويج لهذه المشاريع بوصفها إنجازات استراتيجية ستعيد تشكيل الاقتصاد الوطني وتقلل الاعتماد على النفط، دون تقديم إجابات واضحة حول الاتهامات الحقوقية.
وتتزايد المخاوف مع اقتراب استضافة كأس العالم 2034، حيث يرى مراقبون أن وتيرة البناء ستتسارع أكثر، ما قد يفاقم الانتهاكات في غياب رقابة مستقلة وآليات مساءلة فعالة.
في هذا السياق، دعت منظمات حقوقية المجتمع الدولي إلى التحرك والضغط على الرياض لوقف عمليات الإخلاء القسري، وتحسين أوضاع العمال، وضمان وجود رقابة شفافة على المشاريع.
كما طالبت بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المبلغ عنها، ووضع معايير ملزمة لحماية حقوق العمال، خاصة في المشاريع المرتبطة بفعاليات دولية.
ويطرح هذا الملف تحديًا أخلاقيًا على الشركات العالمية والمؤسسات الرياضية التي تتعاون مع السعودية، في ظل تزايد الدعوات لمساءلة الجهات التي تستفيد من هذه المشاريع دون الالتفات إلى كلفتها الإنسانية.
وتكشف التطورات أن رؤية 2030، التي تسعى لتقديم صورة حديثة ومنفتحة للسعودية، تواجه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بمدى احترامها للحقوق الأساسية، وهو اختبار يبدو حتى الآن أنه يميل لصالح الإنجاز العمراني على حساب الإنسان.




