
بشكلٍ تصاعدي ودموي، أعادت السلطات السعودية خلال عام 2025 ترسيخ عقوبة الإعدام كأداة مركزية في إدارة الشأنين الأمني والسياسي، كاشفةً التناقض الصارخ بين خطاب “الإصلاح والانفتاح” الذي تروّج له رسميًا، والواقع القمعي الذي تحكمه المقصلة وسياسية القتل الممنهج.
فقد شكّل العام الماضي ذروة غير مسبوقة في تنفيذ أحكام القتل، شملت قاصرين، وصحفيين، ومعارضين سياسيين، وأجانب من الفئات الأكثر هشاشة، في تحدٍّ علني للقانون الدولي ولجميع التعهّدات المعلنة بحماية حقوق الإنسان.
وبحسب التقرير السنوي الصادر عن المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، نفّذت السلطات السعودية خلال 2025 ما مجموعه 356 حكم إعدام، في رقم قياسي جديد للعام الثاني على التوالي.
وقد نُفّذت الإعدامات بوتيرة شبه يومية، ووصل عددها في يوم واحد إلى ثماني حالات، وتوقفت فقط خلال شهر رمضان وموسم الحج، إضافة إلى توقف “سياسي” لافت تزامن مع زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، ما أثار مخاوف جدّية من احتمال تنفيذ أحكام قتل دون إعلان رسمي.
وتكشف الأرقام أن أكثر من 56% من الإعدامات نُفّذت بحق غير سعوديين، في سابقة خطيرة بتاريخ توثيق الإعدامات في البلاد. وتصدّرت الجنسيات الصومالية، الباكستانية، والإثيوبية القوائم، في مؤشر واضح على استهداف العمّال المهاجرين والفئات المحرومة من الحماية القانونية والدعم الدبلوماسي الفعّال.
وشكّلت قضايا المخدرات وحدها 240 حالة إعدام، في خرق مباشر لمبدأ “أشد الجرائم خطورة” المعتمد دوليًا، والذي يحصر عقوبة الإعدام في جرائم القتل العمد. كما طالت الإعدامات 45 قضية ذات طابع سياسي، 75% منها لم تتضمن أي تهمة قتل، وفق بيانات وزارة الداخلية نفسها.
والأخطر في حصيلة 2025 كان العودة الصريحة لإعدام القاصرين، في نسف كامل لقانون الأحداث والأوامر الملكية التي ادّعت وقف تنفيذ أحكام القتل بحق من ارتكبوا أفعالًا وهم دون سن الثامنة عشرة.
فقد أعدمت السعودية القاصرين جلال لباد وعبد الله الدرازي بعد محاكمات افتقرت لأدنى معايير العدالة، واستندت إلى اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وفق توثيق حقوقي موسّع.
ويشار إلى أن هذه الإعدامات نُفّذت رغم آراء قانونية صريحة صادرة عن خبراء الأمم المتحدة، بمن فيهم الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، الذي اعتبر هذه الأحكام إعدامات تعسفية وغير قانونية.
وفي 14 يونيو 2025، أعلنت وزارة الداخلية السعودية تنفيذ حكم الإعدام بحق الصحفي تركي الجاسر، في أول حالة موثقة لإعدام صحفي في تاريخ البلاد.
وكان الجاسر اعتُقل منذ 2018 بسبب نشاطه التعبيري، وتعرّض للإخفاء القسري والتعذيب، قبل أن يُعدم بتهمة “الخيانة”، وهي تهمة فضفاضة توسّع استخدامها في السنوات الأخيرة لإسكات الأصوات الناقدة.
كما نُفّذت 44 عملية إعدام بناءً على أحكام صادرة عن المحكمة الجزائية المتخصصة، سيئة الصيت، والتي تُستخدم لتجريم التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، وسط غياب شبه كامل للشفافية أو الرقابة المستقلة.
ولم تكتفِ السعودية بتجاهل النداءات الحقوقية، بل استخفّت علنًا بالآليات الدولية. فقد رفضت التعاون مع مقرّرين خاصين، ومنعت خبراء أمميين من لقاء معتقلين مهددين بالإعدام، واستمرت في تنفيذ الأحكام رغم الرسائل العاجلة والبيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة.
وفي قضايا المخدرات، واصلت السلطات سياسة “التصفية المتسارعة” داخل سجون مثل نجران وتبوك، حيث أُعدم عشرات المعتقلين، بينهم مصريون وسودانيون، دون إخطار عائلاتهم مسبقًا، ودون تسليم الجثامين، في نمط يرقى إلى العقاب الجماعي والتعذيب النفسي.
وتؤكد المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن ما جرى في 2025 لا يمكن تفسيره كـ“انحرافات” أو “استثناءات”، بل يعكس سياسة دولة ممنهجة تقوم على توسيع استخدام الإعدام، وتفريغ السجون عبر القتل، بالتوازي مع تسويق دولي مكثف لصورة “السعودية الجديدة”.
وتشير المنظمة إلى أن العام الماضي مثّل نسفًا نهائيًا لتعهدات رسمية سابقة، من بينها وعود ولي العهد بتقليص الإعدامات، ووقفها بحق القاصرين، وحصرها في قضايا القتل فقط. غير أن الواقع أثبت العكس تمامًا: أرقام قياسية، دماء أكثر، وفئات محمية تُقاد إلى الموت.
وعليه تكشف حصيلة 2025 أن السعودية لم تدخل مرحلة إصلاح، بل مرحلة تطبيع مع القتل، حيث تُستخدم المقصلة أداة حكم، ويُفرض الصمت داخليًا، فيما يُطلب من العالم الخارجي أن يصدّق رواية “الانفتاح”. إنها سياسة لا تنذر إلا بمزيد من التصعيد والدموية، ما لم يُكسر هذا الغطاء الدولي، ويُعاد الاعتبار لمساءلة حقيقية عن الحق في الحياة.