
تواصل السلطات في السعودية تصعيد حملتها على الفضاء الإعلامي والرقمي، عبر إجراءات وصفت بأنها الأوسع منذ سنوات، بهدف إحكام السيطرة الكاملة على الخطاب العام وتقييد أي صوت ناقد، في خطوة تعكس تشديداً متزايداً على حرية التعبير.
ونفذت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية حملة حجب طالت عشرات الحسابات المعارضة، من بينها حسابات منصة “مفتاح” على منصتي فيسبوك وإنستغرام، ما يشير إلى توجه ممنهج لتقييد الوصول إلى المحتوى غير المنسجم مع الرواية الرسمية.
وجاءت هذه الإجراءات بالتوازي مع تراجع قياسي في تصنيف المملكة على مؤشر حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود، حيث هبطت 14 مرتبة لتحتل المركز 176 من أصل 180 دولة، في مؤشر يعكس تدهوراً متسارعاً في بيئة العمل الإعلامي.
وأرجعت المنظمة هذا التراجع إلى ما وصفته باستخدام متكرر للعنف ضد الصحفيين خلال عام 2025، مشيرة إلى حادثة إعدام الصحفي تركي الجاسر، التي اعتبرتها سابقة خطيرة على المستوى العالمي.
وأكدت تقارير حقوقية أن المشهد الإعلامي داخل المملكة يكاد يخلو من أي مساحة مستقلة، حيث يخضع الصحفيون لرقابة مشددة داخل البلاد وخارجها، في ظل بيئة تضييق مستمرة تمنع أي خروج عن الخط الرسمي.
وتلتزم وسائل الإعلام المحلية بالرواية التي تحددها وكالة الأنباء السعودية، بينما أصبحت الرقابة الذاتية القاعدة السائدة حتى على منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس مستوى غير مسبوق من الانضباط الإعلامي القسري.
وحتى المؤسسات الإعلامية الممولة من القطاع الخاص تعمل ضمن الإطار ذاته، حيث لا تملك هامشاً فعلياً للاستقلال، في ظل هيمنة الدولة على مصادر التمويل والتوجيه التحريري.
وينقسم المشهد الصحفي إلى اتجاهات شكلية، تمثلها صحف مثل الوطن وعكاظ والرياض، إلا أن هذا التنوع لا يعكس تعددية حقيقية، بل اختلافاً محدوداً داخل الإطار الرسمي.
وتفرض الأجهزة الرسمية رقابة يومية على المحتوى، فيما يتم توجيه التغطيات الإعلامية لخدمة سياسات الدولة، حيث يُواجه أي نقد باتهامات تصل إلى “الخيانة”، بينما يتعرض الصحفيون الذين يلتزمون الحياد لضغوط متزايدة.
ويرتبط هذا المناخ الإعلامي بشخصية ولي العهد محمد بن سلمان، حيث يُنظر إلى تغطية إنجازاته بوصفها معياراً للالتزام المهني داخل المؤسسات الإعلامية، ما يعمّق حالة الاصطفاف الإجباري.
وتُستخدم منظومة قانونية مشددة، تشمل قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية، لمعاقبة الصحفيين والناشطين، حيث تصل العقوبات إلى السجن لسنوات طويلة لمجرد التعبير عن آراء سياسية.
ومنذ عام 2018، كثفت السلطات رقابتها على الفضاء الرقمي، مع إصدار أحكام قاسية بحق مستخدمين على خلفية تغريدات أو منشورات، في مؤشر على توسع نطاق القمع ليشمل المجال الإلكتروني.
وتستند السيطرة الإعلامية أيضاً إلى بنية تمويلية مركزية، حيث تُضخ موارد كبيرة في مؤسسات إعلامية كبرى مثل إم بي سي، التي تمتلك بدورها قناة العربية، ما يمنحها نفوذاً إقليمياً يتجاوز الحدود السعودية.
في المقابل، يجري توجيه الاهتمام الإعلامي نحو مجالات الترفيه والرياضة، ضمن استراتيجية تهدف إلى تحسين صورة المملكة خارجياً، في وقت يتم فيه تهميش القضايا السياسية والحقوقية.
ويتعرض الصحفيون لمخاطر متعددة، تشمل السجن الطويل وحتى الإعدام، كما حدث مع تركي الجاسر، في امتداد لنهج قمعي سبق أن تجسد في قضية اغتيال جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
وعلى المستوى الرقمي، يواجه المعارضون حملات منظمة من “الذباب الإلكتروني”، إلى جانب استخدام تقنيات تجسس متقدمة لتعقب الصحفيين في الخارج، ما يوسع نطاق الرقابة إلى ما وراء الحدود.