الطلب المصطنع يدفع بسهم أرامكو إلى مهب الريح

يجمع مراقبون على أن نجاح الأيام الأولى لتداول أسهم شركة أرامكو النفطية العملاقة بأي حال نجاحاً مستداماً، كونه مدفوعاً بطلب مصطنع على سهم الشركة، لا يصدق عاقل إمكانية استمراره لأسابيع.
وتم إدراج أسهم أرامكو ضمن خطة ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية المعروفة باسم رؤية 2030 والتي تتصاعد الحقائق بشأن تسجيلها فشلا ذريعا وتعثر في تنفيذ ما جرى ترويجه من مشاريع وهمية في إطارها.
يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى تخبط وفشل سياسات محمد بن سلمان القائمة على القتل والاعتقال والتنكيل والحرب ما جعل العالم يفقد الثقة بالمملكة وحاكمها ويتجبنون الاستثمار فيها.
وكان بن سلمان احتجز رجال الأعمال والأمراء البارزين في المملكة داخل فندق الريتز كارلتون وتعمد إهانتهم واذلالهم قبل أن يتنازلوا عن جزء كبير من ثرواتهم لحكومة آل سعود القمعية.
وجاء اعلان ولي العهد عن نيته عن بيع ما يصل إلى 5% من قيمة شركة أرامكو المملوكة للأسرة الحاكمة ضمن رؤيته المزعومة 2030 لتنويع اقتصاد المملكة وعدم اعتمادها على النفط فقط.
ورغم عدم إعلانه عن أسلوب التقييم، أصر بن سلمان على أن قيمة الشركة لا تقل عن تريليوني دولار، تضعها على رأس قائمة شركات العالم من حيث القيمة السوقية، وهو ما رفضته العديد من بنوك الاستثمار التي كانت ترغب في شراء أسهمها.
وبعد أن أعلنت نتائج أعمال الشركة في 2018، وثبت تحقيقها صافي ربح تجاوز 111 مليار دولار، لتكون أكبر شركات العالم ربحية، استقر الأمر على تقييمها بما يقرب من 1.7 تريليون دولار.
ومع غياب الشفافية عن عملية الطرح، كما هو الحال في أغلب ما يحدث في المملكة، لم يكن المستثمرون الأوروبيون والأميركيون مستعدين للشراء في شركة لا يعرفون الأسلوب الذي اتبع في تحديد قيمتها، ولا طبيعة العلاقة بين مجلس إدارتها والأسرة الحاكمة، كما العديد من النقاط الهامة الأخرى، الأمر الذي دفع بن سلمان العنيد لطرحها في بورصة “تداول” السعودية وحدها، رغم سابق الإعلان عن رغبته طرحها في بورصات عالمية مثل نيويورك ولندن وهونغ كونغ.
وبذل بن سلمان وفريقه المعاون جهوداً كبيرة للوصول بقيمة الشركة لأعلى مستوى ممكن، كما لضمان مشاركة كبار المستثمرين في المملكة، والدول الخليجية الحليفة، وعلى رأسها الإمارات، في الاكتتاب.
واضطرت المملكة في سبيل ذلك لتقديم حوافز مادية، في صورة ضمان حد أدنى لتوزيعات أرباح الشركة، كما تقديم أسهم مجانية لمشتري السهم في الاكتتاب الذين يحتفظون به لمدة ستة أشهر على الأقل.
ومع بدء التداول على ما تم طرحه للاكتتاب العام من أسهم الشركة يوم الأربعاء الماضي، بنسبة لا تتجاوز 1.5% من قيمة الشركة، ارتفع سعر السهم للحد الأقصى المسموح به، بعد ما رصدته وسائل إعلام عالمية من ضغوط مارستها المملكة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على من يسمح له بالبيع ومن لا يسمح له، خوفاً من تراجع سعر السهم، الذي ربما يثبت صحة تقييم بيوت الاستثمار العالمية، غير المتقبلة لقيمة التريليونَي دولار.
وساعد قصر الاكتتاب على المستثمرين السعوديين، وحلفائهم الخليجيين، على تسهيل السيطرة على عمليات البيع والشراء، ليرتفع السهم في ثاني أيام التداول لحده الأقصى أيضاً، فيما وُصف بأنه “شراء جماعي منسق”، ولتلامس القيمة السوقية للشركة مبلغ 2 تريليون دولار الذي حلم به بن سلمان!
وفي حين سيطرت السعادة على المستثمر السعودي الفرد، الذي اكتتب في أسهم الشركة بدافع من “الواجب الوطني”، بعد ارتفاع سعر سهم الشركة في الأيام الأولى للتداول، كان واضحاً أن ضغوطاً كبيرة مورست على كبار الأغنياء من المستثمرين السعوديين، كما موظفي الشركة، والعديد من المؤسسات السعودية المحلية، بالإضافة إلى صندوق الثروة السعودي التابع للحكومة، من أجل دفعهم لشراء كميات كبيرة من أسهم الشركة، للمساعدة في رفع سعر السهم.
ولا يعكس نجاح الأيام الأولى للتداول بأي حال نجاحاً مستداماً، كونه مدفوعاً بطلب مصطنع على سهم الشركة، لا يصدق عاقل إمكانية استمراره لأسابيع.
ورغم أن التعاملات تتم على سهم شركة تعمل وتنتج وتبيع وتحقق أرباحاً، ويتعامل بأسهمها ملايين المستثمرين، بما يمثلون من وجهات نظر مختلفة، من المتوقع أن تكون التداولات في الفترة القادمة، بعد توقف الطلب المصطنع عن التأثير في السوق، مؤشراً حقيقياً على رضى المواطن السعودي عن أداء حكومته، في ظل غياب تام لأدوات – كما الرغبة في – قياس الرأي العام في المملكة التي ترتفع فيها أصوات الغضب، رغم محاولات القمع والسيطرة، وما حدث من قتل وسجن بلا محاكمات.
وتشير التوقعات إلى أن سهم شركة أرامكو، بعد اختفاء الطلب المصطنع، سيكون عرضة لمجموعة من المخاطر، شأن كل الأسهم المتاحة للتداول في العالم، إلا أنه من المؤكد أن طبيعة عمل الشركة، والمنطقة التي تتواجد بها، تفرض نوعية معينة من تلك المخاطر.
وإذا كان تذبذب أسعار النفط العالمية، نتيجة لتغير الطلب عليه وقت تباطؤ معدلات النمو، وتزايد توقعات الركود الاقتصادي، كما الحروب التجارية بين القوى العظمى في العالم، يمثل أكثر المخاطر وضوحاً، تأتي مغامرات بن سلمان السياسية في اليمن وسورية والعراق ولبنان ومصر وقطر لتوضح مدى التوتر الذي يمكن حدوثه في كل يوم من أيام التداول المعتاد بالسهم، بل وخلال توقفه أيام العطلات، وما حادث الطائرات المسيرة، التي ضربت الشركة منتصف شهر سبتمبر/أيلول الماضي وعطلت إنتاجها لمدة شهر، عنا ببعيد.
وبينما يدرك حاملو أسهم شركة أرامكو أن قراراً بالبيع يتم اتخاذه بحسن نية في أي لحظة، ربما يتسبب في مكالمة من أحد مساعدي بن سلمان، لا يمكن توقع نتائجها، تأتي حقيقة أن ثلثي ما تم طرحه للاكتتاب العام يتركز في أيدي المستثمرين المؤسسيين، الأمر الذي يبعث برسالة مفادها أن ولي العهد ربما لم يحسن تقدير العواقب، مرة أخرى.