
تكشف مراسلات منسوبة إلى رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين عن مساعٍ مباشرة لاختراق الدائرة السياسية والاقتصادية العليا في السعودية خلال عام 2016، عبر طلب صريح للعب دور «المستشار المالي» لولي ولي العهد آنذاك محمد بن سلمان، وترتيبات لعقد لقاءات مع ستة وزراء سعوديين بارزين، من بينهم وزير الطاقة السابق خالد بن عبد العزيز الفالح.
وتعود هذه المعطيات إلى سلسلة وثائق ورسائل متداولة ضمن ملفات إبستين التي نُشرت لاحقاً في إطار قضايا قانونية أميركية، ومراسلات مؤرخة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أي في ذروة صعود محمد بن سلمان داخل هرم السلطة السعودية.
وبحسب الرسائل، سعى إبستين إلى إيصال رغبته مباشرة إلى ولي ولي العهد عبر وسيطة تُدعى عزيزة الأحمدي. وفي إحدى الرسائل، طلب إبستين أن يكون «المستشار المالي» لمحمد بن سلمان، واضعاً شروطاً ومتطلبات أولية، من بينها الحصول على «ملخص مفصل للهياكل القانونية للجامعة التي تحدّث عنها خالد»، في إشارة تُفهم على أنها مرتبطة بمشاريع أكاديمية أو استثمارية ذات صلة بشخصيات سعودية رفيعة.
وتشير هذه الرسالة إلى أن إبستين لم يكن يسعى إلى لقاء بروتوكولي عابر، بل إلى دور مؤسسي طويل الأمد داخل منظومة صنع القرار الاقتصادي المحيطة بولي العهد.
وهو ما يثير تساؤلات خطيرة حول مدى انفتاح بعض القنوات السعودية في تلك المرحلة على شخصيات دولية مثيرة للجدل، حتى قبل انكشاف الفضيحة الأخلاقية والقضائية التي لاحقت إبستين لاحقاً.
الأخطر في هذه المراسلات هو ما ورد في رسالة مؤرخة في 17 نوفمبر 2016، بعثت بها عزيزة الأحمدي إلى إبستين تحت عنوان «لائحة»، تضمنت أسماء ستة وزراء ومسؤولين سعوديين كبار جرى الترتيب، وفق الرسالة، للاجتماع بهم.
وتضم اللائحة كلاً من وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الدولة ووزير المالية السابق إبراهيم عبد العزيز العساف، ووزير الاقتصاد والتخطيط عادل بن محمد فقيه، إضافة إلى محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان، ورئيس الهيئة العامة للترفيه أحمد بن عقيل الخطيب، ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية آنذاك خالد الفالح.
وردّ إبستين على هذه اللائحة كان لافتاً في نبرته ومضمونه، إذ أبدى استعداداً لمقابلة الوزراء «في نيويورك، فلوريدا، أو منطقة البحر الكاريبي [في جزيرته] في أي وقت»، مضيفاً باريس «إذا لزم الأمر»، بينما وضع الرياض «كخيار أخير».
ويكشف هذا الرد، الذي قوبل بموافقة مختصرة من عزيزة الأحمدي («حسنًا. تحياتي.»)، عن ذهنية إبستين في إدارة علاقاته، ومحاولته نقل مركز اللقاءات بعيداً عن السعودية إلى فضاءات يملك فيها نفوذاً وتحكماً أكبر.
ورغم خطورة هذه الترتيبات، يؤكد القائمون على تتبع الوثائق أنهم لم يعثروا، حتى تاريخ نشر السلسلة، على ما يثبت أن هذا الاجتماع قد عُقد فعلاً، وفق الملفات المنشورة من قبل وزارة العدل الأميركية.
غير أن غياب الدليل القاطع على انعقاد اللقاء لا يلغي دلالة المراسلات نفسها، ولا يقلل من خطورة استعداد أطراف رسمية أو شبه رسمية للدخول في قنوات تواصل مع شخصية بحجم ونوع إبستين.
وسياسياً، تعيد هذه التسريبات فتح ملف معايير التدقيق والحوكمة التي أحاطت بصعود محمد بن سلمان في سنواته الأولى، وتطرح أسئلة محرجة حول طبيعة المستشارين المحتملين الذين سُمح لهم بالاقتراب من مركز القرار.
كما تسلط الضوء على شبكة العلاقات الدولية التي حاول إبستين نسجها مع نخب سياسية واقتصادية في الشرق الأوسط، مستفيداً من غموض المرحلة الانتقالية داخل السعودية آنذاك.
أما أخلاقياً، فإن مجرد ورود أسماء وزراء ومسؤولين سعوديين في سياق مراسلات مع إبستين — حتى دون إثبات لقاءات فعلية — يضع المؤسسة الرسمية السعودية أمام اختبار صعب، ويغذي الشكوك حول كيفية إدارة العلاقات الخارجية، ومن هم الأفراد الذين فُتحت لهم الأبواب في لحظة إعادة تشكيل السلطة.
وتكشف هذه الرسائل عن محاولة واضحة من إبستين لاقتحام قلب السلطة الاقتصادية السعودية، وعن قابلية بعض القنوات للتجاوب أو على الأقل للاستماع. ومع اتساع نشر وثائق إبستين عالمياً، تبدو هذه القصة مرشحة لمزيد من التدقيق، ليس فقط في واشنطن، بل أيضاً في الرياض، حيث لا تزال الأسئلة أكبر من الإجابات.