مخاوف الحرب تدفع بن سلمان إلى التحصن: تساؤلات حول نمط الحكم المعزول في الرياض

تثير التحركات الأمنية المكثفة حول مقار الحكم في السعودية تساؤلات متزايدة بشأن أسلوب إدارة السلطة عبر الحكم المعزول لدى ولي العهد محمد بن سلمان، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف من تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة.

ويتحدث مراقبون سياسيون عن تحوّل بعض القصور الملكية في الرياض إلى مجمعات شديدة التحصين، حيث يجري تعزيز الإجراءات الأمنية وإعادة تنظيم مقار الإقامة والعمل بطريقة تجعلها أقرب إلى مراكز قيادة مغلقة، قادرة على العمل في ظروف الأزمات أو المواجهات العسكرية.

وتشير هذه التطورات، وفق محللين، إلى حجم القلق الذي تعيشه القيادة السعودية في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، خصوصاً مع اتساع دائرة الحرب في الشرق الأوسط واحتمال امتداد تداعياتها إلى دول الخليج.

ويرى المحللون أن أسلوب الحكم الذي يتبعه محمد بن سلمان منذ صعوده إلى السلطة عام 2017 يتسم بقدر كبير من المركزية والاعتماد على دائرة ضيقة من المستشارين والأجهزة الأمنية.

وقد أدى ذلك، بحسب هؤلاء، إلى تعزيز حالة من العزلة السياسية حول ولي العهد، حيث أصبحت القرارات الرئيسية تُتخذ داخل إطار محدود بعيداً عن المؤسسات التقليدية داخل الدولة.

وتقول مصادر سياسية إن القصور الملكية لم تعد مجرد مقار بروتوكولية، بل تحولت تدريجياً إلى مراكز إدارة سياسية وأمنية مغلقة، تُعقد فيها الاجتماعات مع كبار المسؤولين والوفود الأجنبية.

ويشير بعض المراقبين إلى أن هذا النمط يعكس رغبة في إحكام السيطرة على دوائر القرار في البلاد، لكنه في الوقت نفسه يعزز صورة الحكم الفردي الذي يعتمد على الحماية الأمنية أكثر من اعتماده على المؤسسات.

وتأتي هذه التحولات في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، مع اتساع رقعة الصراع بين إيران وإسرائيل وتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى دول أخرى في المنطقة.

وتضع هذه الظروف دول الخليج أمام معادلة معقدة، إذ تعتمد اقتصاداتها واستقرارها على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية.

لكن موقع السعودية الجيوسياسي وثقلها السياسي والاقتصادي يجعلانها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي مواجهة واسعة النطاق.

ويرى خبراء أن القيادة السعودية تحاول الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وبين تجنب التصعيد المباشر مع إيران من جهة أخرى.

وتتزامن هذه التحديات مع تنفيذ مشاريع اقتصادية عملاقة يقودها ولي العهد ضمن ما يعرف بـ”رؤية 2030″، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط.

ويعد مشروع نيوم، المدينة المستقبلية المخطط لها في شمال غرب المملكة، أبرز هذه المشاريع وأكثرها إثارة للجدل.

لكن تصاعد التوترات الإقليمية يثير مخاوف بشأن قدرة هذه المشاريع على جذب الاستثمارات الدولية في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.

ويرى بعض الاقتصاديين أن الاستثمارات الضخمة في المشاريع الترفيهية والسياحية تعتمد بشكل كبير على صورة المنطقة كوجهة آمنة ومستقرة، وهي صورة قد تتأثر سلباً إذا استمرت الأزمات العسكرية في الشرق الأوسط.

وقد تعرضت سياسات محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية لانتقادات واسعة من منظمات حقوقية دولية، خصوصاً فيما يتعلق بحملات الاعتقال الواسعة ضد المعارضين والنشطاء.

كما أثارت الحرب في اليمن، التي انطلقت عام 2015 بقيادة السعودية، جدلاً واسعاً حول دور المملكة في النزاعات الإقليمية.

ويرى منتقدون أن تركيز السلطة في يد ولي العهد أدى إلى تراجع دور المؤسسات التقليدية في الدولة، بما في ذلك بعض مراكز النفوذ داخل العائلة المالكة.

ويقول محللون إن هذا التحول خلق حالة من التوتر السياسي الداخلي، حتى وإن لم تظهر إلى العلن بشكل واضح.

إلى ذلك يحاول محمد بن سلمان تقديم نفسه على الساحة الدولية كقائد إصلاحي يقود تحولاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق في السعودية.

لكن المنتقدين يرون أن هذه الصورة تتناقض مع واقع سياسي يعتمد بشكل متزايد على القبضة الأمنية.

وفي ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، يرى بعض المراقبين أن التحصينات الأمنية حول مراكز الحكم تعكس حجم القلق الذي يواجهه النظام السعودي في مرحلة تتسم بعدم اليقين.

ويقول محللون إن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التوترات قد تعيد تشكيل موازين القوى فيها.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة القيادات السياسية على إدارة الأزمات عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط.