أخبار

رؤية 2030 تتعثر: البطالة بين السعوديين ترتفع مجدداً وتكشف هشاشة الوعود الاقتصادية

سجّل معدل البطالة بين السعوديين أعلى مستوى له خلال عام، في انتكاسة واضحة لأحد أهم مؤشرات “رؤية السعودية 2030” التي طالما روّجت لها الحكومة بوصفها مشروع التحول الأكبر في تاريخ المملكة.

ووفق بيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، بلغ معدل البطالة بين المواطنين السعوديين بنهاية الربع الثالث 7.5%، في تراجع صريح عن المسار الذي أعلنت السلطات سابقاً أنها نجحت في تثبيته، بل وتجاوزته.

ولا يكفي الرقم الجديد بنقض سردية “النجاح المبكر”، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول مدى واقعية رؤية 2030 وقدرتها الفعلية على خلق فرص عمل مستدامة للمواطنين، في وقت تتكدس فيه المشاريع العملاقة، وتتوسع الدعاية، بينما يضيق سوق العمل أمام السعوديين، خصوصاً الشباب والنساء.

وتكشف البيانات أن البطالة بين الذكور السعوديين ارتفعت إلى 5%، وهو أعلى مستوى منذ الربع الأول من عام 2022، فيما قفزت البطالة بين الإناث السعوديات إلى 12.1%، مسجلة أعلى مستوياتها للربع الرابع على التوالي.

ولا تعكس هذه الأرقام فقط تعثراً ظرفياً، بل تشير إلى خلل بنيوي في قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، رغم سنوات من “الإصلاحات” المعلنة.

وتزداد حدة المفارقة عند مقارنة هذه الأرقام بالمستهدفات الرسمية. فقد كانت الحكومة قد حددت هدف خفض البطالة إلى 7% بحلول 2030، ثم أعلنت تحقيقه فعلياً بنهاية 2024، في إنجاز قُدّم باعتباره دليلاً على نجاح الرؤية قبل موعدها بخمس سنوات.

لكن هذا “الإنجاز” لم يصمد سوى أشهر قليلة، قبل أن تعاود البطالة الارتفاع، ما اضطر الحكومة إلى إعادة تقييم المستهدفات، في خطوة تعكس ارتباكاً أكثر مما تعكس طموحاً.

والمفارقة الأكبر أن هذا الارتفاع في البطالة يأتي في وقت لم يشهد فيه معدل البطالة الكلي في المملكة قفزات كبيرة، بسبب استقرار بطالة غير السعوديين.

بعبارة أوضح، فإن السوق لا يعاني من نقص في الوظائف بقدر ما يعاني من عجز في توظيف المواطنين أنفسهم، وهو ما يسلط الضوء على فشل سياسات “السعودة” في تحقيق توازن حقيقي بين رأس المال واليد العاملة الوطنية.

ويتزامن هذا التراجع في سوق العمل مع خفض السعودية لتقديرات نمو اقتصادها خلال الربع الثالث إلى 4.8%، بعد مراجعة نمو الأنشطة غير النفطية التي سجلت تباطؤاً وُصف بأنه الأضعف منذ عام 2020.

وينسف هذا التطور ركناً أساسياً من رواية رؤية 2030، التي قامت على فكرة تقليص الاعتماد على النفط عبر تنمية القطاعات غير النفطية بوصفها محركاً للتوظيف والنمو.

وبحسب التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024، فإن معدل البطالة بين السعوديين كان يبلغ 12.3% في عام 2016، قبل أن يتراجع تدريجياً خلال السنوات التالية.

غير أن هذا الانخفاض، الذي جرى الترويج له بوصفه نتيجة مباشرة للإصلاحات، يبدو اليوم هشاً وقابلاً للارتداد عند أول اختبار اقتصادي حقيقي، كما تكشفه أرقام 2025.

فبلوغ البطالة أدنى مستوياتها عند 6.35% بنهاية الربع الأول من 2025 لم يكن نقطة استقرار، بل قمة مؤقتة سرعان ما أعقبها تراجع، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الوظائف التي أُنشئت، واستدامتها، ومدى ارتباطها بالإنتاج الحقيقي لا بالإنفاق الحكومي المؤقت أو المشاريع ذات الطابع الاستعراضي.

ويرى مراقبون أن الإشكالية لا تكمن فقط في الأرقام، بل في النموذج الاقتصادي ذاته الذي تقوم عليه رؤية 2030، حيث يجري ضخ مليارات الدولارات في مشاريع ضخمة، بينما يبقى سوق العمل الوطني عاجزاً عن امتصاص الطاقات البشرية المحلية، خصوصاً في ظل استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية، وتباطؤ القطاعات غير النفطية في توليد وظائف نوعية.

في المحصلة، تعكس أرقام البطالة الأخيرة تصدعاً في أحد الأعمدة الأساسية لرؤية 2030، وتفضح الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للسعوديين.

فخفض البطالة لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل اختبار سياسي واجتماعي لمدى جدية المشروع برمته. ومع كل ارتفاع جديد في معدلات التعطل، تتآكل الثقة في رؤية قُدّمت كطريق حتمي إلى الازدهار، لكنها تبدو اليوم أقرب إلى وعد مؤجل يتعثر عند أول منعطف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى