الاقتصاد الريعي يعمّق الأزمات البنيوية ويقوّض فرص الإصلاح في السعودية

تقف السعودية اليوم أمام أزمات اقتصادية متفاقمة تحولت إلى اختلالات بنيوية تمس جوهر النموذج الاقتصادي والسياسي القائم في وقت يعمق الاقتصاد الريعي الأزمات البنيوية ويقوّض فرص الإصلاح في المملكة.
وأكد تحليل صادر عن مركز «آرك للدراسات»، أن البطالة، والفقر والتضخم، والهدر المالي، وضعف التنافسية نتائج مباشرة لهيمنة نموذج الاقتصاد الريعي، الذي أعاد إنتاج الأزمات ووسّع آثارها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى المركز أن الريع لم ينعكس فقط على تدهور المؤشرات الكلية، بل أسهم في خلل عميق في توزيع الثروة، حيث تركزت الموارد بيد طبقة محدودة من المحظيين المرتبطين بمراكز النفوذ، مقابل تراجع مستويات المعيشة لغالبية المواطنين واتساع دائرة التهميش.
وبحسب التحليل فإن هذا الخلل البنيوي رافقه إقصاء ممنهج للقوى العاملة الوطنية من سوق العمل، ولا سيما في القطاع الخاص، واستبدالها بملايين العمالة الأجنبية، كثير منها منخفضة التأهيل، ما أدى إلى تفاقم البطالة ورفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية على الدولة.
ويضع مركز آرك البعد السياسي في صلب تفسير الأزمة، مؤكداً أن النظام السياسي القائم على احتكار السلطة والانفراد بصناعة القرار لعب دوراً حاسماً في ترسيخ الاقتصاد الريعي.
فغياب المشاركة الشعبية، وحرمان المواطنين من حقوقهم في التمثيل والانتخاب، سمحا باستمرار سياسات اقتصادية فاشلة رغم تراكم الأزمات وتحولها إلى تهديدات تمس استقرار النظام ذاته.
ويعرّف المركز الاقتصاد الريعي بأنه الدخل المتأتي من استغلال موارد طبيعية مملوكة حصرياً للدولة—كالنفط والغاز والمعادن—من دون جهد إنتاجي حقيقي، باستثناء تكاليف الاستخراج والنقل.
ويشير إلى أن احتكار النظام السياسي لعوائد هذه الموارد، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، أفضى إلى أنماط إنفاق اتسمت بالهدر، حيث وُجّهت موارد ضخمة إلى أصول غير إنتاجية، من قصور وسلع كمالية وتحف فنية، لتلبية مصالح ورغبات نخب سياسية فاسدة.
أما الجزء المتبقي من العوائد، فذهب إلى تمويل الإنفاق الحكومي على البنى التحتية ورواتب الموظفين والخدمات العامة، في حين لم تحظَ القطاعات الإنتاجية إلا بحصة محدودة، لم تسلم بدورها من النهب عبر مشاريع وهمية تديرها شبكات من المتنفذين.
ووفقاً للتقرير، فإن محاولات النظام اللاحقة لمعالجة مخاطر الاعتماد على مورد ناضب—عبر تفعيل «صندوق الاستثمارات العامة»—لم تحقق أهدافها، بسبب سوء الإدارة وغياب الشفافية.
وعلى عكس تجارب ناجحة مثل الصندوق السيادي النرويجي، أسهم الصندوق المحلي في مراكمة الديون وتمويل استثمارات عالية المخاطر بعوائد محدودة.
ويمتد أثر الريع، بحسب المركز، إلى القطاع الخاص، من خلال منح امتيازات حصرية لمستثمرين يتمتعون بنفوذ سياسي، ما خلق أفضلية غير عادلة في السوق وأدى إلى تشوهات هيكلية في بيئة الاستثمار.
وربط هذا النمط النشاط الاقتصادي بالفساد والمحسوبية، ووجّه الموارد نحو مشاريع سريعة الربح وقصيرة الأجل، على حساب المشاريع الصناعية طويلة الأمد ذات القيمة المضافة العالية، وهو ما أضعف القاعدة الإنتاجية وأفقد الاقتصاد قدرته على خلق وظائف مستدامة.
كما يشير التقرير إلى أن نظام استقدام العمالة الأجنبية تحوّل إلى مصدر ريع ضخم لفئات نافذة، رغم ما يسببه من استنزاف للاقتصاد الوطني عبر تحويلات مالية هائلة إلى الخارج، إضافة إلى إقصاء المواطنين من فرص العمل.
ويضاف إلى ذلك احتكار مساحات واسعة من الأراضي من قبل شخصيات نافذة، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار العقارات، وجعل البلاد من بين الأدنى عالمياً في نسب تملك المواطنين لمساكنهم.
ويخلص مركز آرك إلى أن تحصين الاقتصاد من الآثار السلبية للريع يمثل شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي.
ويرى أن الاكتفاء برفع شعارات مثل «مرحلة ما بعد النفط» و«مكافحة الفساد» يعكس إدراكاً نظرياً بحجم المشكلة، لكنه لم يُترجم إلى حلول عملية، كما تثبت تجارب سابقة وخطط تنموية أخفقت في تحقيق أهدافها.
ويؤكد التحليل أن النظام السياسي القائم على الاستبداد واحتكار القرار عاجز بطبيعته عن تلبية تطلعات المواطنين وحماية المصالح الوطنية العليا.
ويشدد على أن الانتقال إلى مستقبل اقتصادي مختلف لا يمر فقط عبر سياسات مالية أو استثمارية، بل عبر “مرحلة ما بعد الاستبداد” بوصفها المدخل الحقيقي لبناء اقتصاد منتج، عادل، ومستدام، قائم على الشفافية والمساءلة والمشاركة الشعبية.




