فايننشال تايمز: الفشل يلاحق استراتيجية النظام السعودي تجاه إيران

أبرزت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الفشل الذي يلاحق استراتيجية النظام السعودي تجاه إيران، بعد سنوات من التحول من خطاب التصعيد إلى سياسة الانخراط.
وأشارت الصحيفة إلى أن نتائج عكسية انتهى إليها رهان قاده ولي العهد محمد بن سلمان بهدف تحقيق الاستقرار الإقليمي، قبل أن تنقلب النتائج عليه وتضع المملكة في قلب التهديدات الأمنية.
ولفتت إلى أن محمد بن سلمان انتقل خلال فترة قصيرة من التحذير من “استرضاء” إيران ووصف قيادتها بتهديد إقليمي خطير، إلى تبني مسار تهدئة غير مسبوق مع طهران، ضمن رؤية سعت إلى تقليل التوترات وتهيئة بيئة مستقرة تدعم المشاريع الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها رؤية 2030.
إلا أن هذا التحول، وفق تقرير تحليل للصحيفة، لم يحقق أهدافه وأظهر هشاشة الرهان السعودي على تغيير سلوك إيران عبر الانخراط الدبلوماسي في وقت تحالفت فيه الرياض علنا مع الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها إسرائيل.
وتؤكد الوقائع، بحسب التقرير، أن التصعيد العسكري الأخير قلب الحسابات السعودية، بعدما تعرضت المملكة ومحيطها الخليجي لهجمات متكررة شملت أهدافاً حساسة، من بينها قواعد عسكرية ومنشآت نفطية، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي.
وتُبرز هذه التطورات أن سياسة التهدئة لم توفر الحماية التي سعت إليها الرياض، بل تركتها عرضة لتداعيات صراع إقليمي متسع.
وينقل التقرير عن برنارد هيكل أن ما يجري يمثل عكس ما كان يطمح إليه ولي العهد، الذي راهن على الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مشيراً إلى أن تصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يعكس فشل هذا التوجه في كبح سلوك طهران أو تحييدها.
ويوضح التقرير أن استمرار الحرب يهدد بشكل مباشر مشاريع السعودية الاقتصادية، خاصة تلك التي تعتمد على جذب الاستثمارات الأجنبية وتقديم المملكة كمركز إقليمي للتجارة والسياحة.
ويشير إلى أن مؤشرات القلق بدأت بالظهور، من بينها إلغاء فعاليات دولية بارزة، ما يعكس تراجع الثقة في البيئة الاستثمارية التي تسعى الرياض إلى ترسيخها.
ويلفت التقرير إلى أن السعودية، رغم تأثرها أقل من بعض جيرانها، لا تزال في دائرة الخطر، خصوصاً في ظل استهداف منشآت حيوية ووجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها.
ويؤكد أن موقع المملكة الجغرافي، بما في ذلك منفذها على البحر الأحمر، وفر لها هامشاً محدوداً لتخفيف الضغوط، لكنه لم يعزلها عن تداعيات التصعيد.
وينقل التقرير تحذيرات صادرة عن قيادة شركة أرامكو، حيث أكد أمين الناصر أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى عواقب كارثية على الاقتصاد العالمي، في إشارة إلى حجم المخاطر التي باتت تهدد قطاع الطاقة في المنطقة، والذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السعودي.
ويشير إلى أن الصراع يمثل ضربة مباشرة لخطط التحول الاقتصادي، حيث يؤكد محللون أن الحكومة السعودية قد تضطر إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الدفاع والأمن، على حساب المشاريع التنموية، ما يعني تأخير تحقيق أهداف رؤية 2030 وزيادة الضغوط على المالية العامة.
ويبرز التقرير أن الرياض تجد نفسها في موقف معقد بين رغبتها في احتواء التصعيد وخشيتها من تداعيات أي توقف مفاجئ للحرب، قد يترك إيران أكثر تشدداً واندفاعاً. ويعكس هذا التوازن الحذر إدراكاً سعودياً بأن الخيارات المتاحة محدودة، وأن أي مسار يحمل مخاطر استراتيجية.
ويرصد التقرير استمرار المخاوف من توسع الصراع ليشمل أطرافاً أخرى، خاصة الحوثيين المدعومين من إيران، الذين يمتلكون سجلًا في استهداف المملكة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ويؤكد أن عودة هذه الجبهة إلى الاشتعال ستضاعف التحديات الأمنية التي تواجهها الرياض.
وكان اتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران عام 2023، بوساطة صينية، يهدف إلى خفض التوترات، لكنه لم ينجح في تغيير طبيعة الصراع أو منع عودته بشكل أكثر حدة.
وقد رفعت الهجمات الإيرانية الأخيرة، بما في ذلك استهداف قواعد عسكرية وسقوط ضحايا، مستوى التوتر وأثارت تساؤلات حول احتمال انخراط السعودية بشكل أوسع في المواجهة، خاصة إذا تعرضت منشآتها النفطية لضربات كبيرة كما حدث في هجمات سابقة.
ويوضح التقرير أن حالة الاستياء تتصاعد داخل الأوساط السعودية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، مع شعور بأن المملكة تُجرّ إلى صراع حذرت منه مسبقاً. وينقل عن عزيز الغشيان وجود إحباط من تحميل دول الخليج تبعات سياسات لا تملك التحكم فيها.



