
كشف تقرير صادر عن منظمة Oil Change International الدولية عن إرسال السعودية نحو 29 ألف طن من المنتجات البترولية المكررة إلى إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، في خطوة أعادت تسليط الضوء على مسار التقارب غير المعلن بين الرياض وتل أبيب.
وأشار التقرير إلى أن هذه الشحنات، التي تشمل وقودًا مكررًا، جرى نقلها عبر مسارات تجارية دولية، ما يعكس انخراطًا سعوديًا في تزويد السوق الإسرائيلية بالطاقة، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين الطرفين.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي حساس، حيث تتزايد المؤشرات على انفتاح سعودي تدريجي تجاه إسرائيل، سواء عبر قنوات اقتصادية غير مباشرة أو من خلال مواقف سياسية أقل حدة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويُظهر التقرير أن الكميات المصدّرة، رغم محدوديتها مقارنة بإجمالي صادرات النفط السعودية، تحمل دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز حجمها، خصوصًا في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وما تثيره من غضب شعبي عربي واسع.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس تحوّلًا في أولويات السياسة السعودية، التي باتت توازن بين مصالحها الاقتصادية وتحالفاتها الدولية، وبين التزاماتها التقليدية تجاه القضية الفلسطينية.
ويؤكد محللون أن تمرير هذه الشحنات عبر قنوات تجارية يعكس محاولة لتفادي الضغوط السياسية والإعلامية، في ظل حساسية الرأي العام العربي تجاه أي شكل من أشكال التعاون مع إسرائيل.
ويطرح التقرير تساؤلات حول مدى اتساق السياسات السعودية مع مواقفها المعلنة، خاصة في ظل تصريحات رسمية تؤكد دعم الحقوق الفلسطينية، مقابل انخراط فعلي في تزويد إسرائيل بمنتجات طاقة.
ويشير خبراء إلى أن هذه التدفقات النفطية قد تكون جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية غير المعلنة، التي تشمل دولًا وشركات تعمل كوسطاء في نقل الطاقة إلى الأسواق الإسرائيلية.
في هذا السياق، يرى متابعون أن السعودية تسعى إلى إعادة تموضعها في خريطة التحالفات الإقليمية، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي أعقبت الاتفاقات الإبراهيمية، رغم عدم إعلانها الانضمام رسميًا إلى مسار التطبيع.
وتزامن ذلك مع تنامي التعاون الأمني غير المباشر بين بعض دول الخليج وإسرائيل، خاصة في ما يتعلق بمواجهة التهديدات الإقليمية، وهو ما ينعكس تدريجيًا في المجال الاقتصادي.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذه التدفقات يعكس واقعًا جديدًا في المنطقة، حيث تتراجع الخطوط الفاصلة بين العداء السياسي والتعاون الاقتصادي، في ظل حسابات المصالح الاستراتيجية.
في المقابل، أثار الكشف عن هذه البيانات انتقادات واسعة، حيث اعتبر ناشطون أن تزويد إسرائيل بالوقود في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة يمثل تناقضًا صارخًا مع الخطاب الرسمي الداعم للفلسطينيين.
ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تعكس انزلاقًا تدريجيًا نحو التطبيع، حتى وإن لم يتم الإعلان عنه بشكل رسمي، مؤكدين أن العلاقات الاقتصادية غالبًا ما تسبق الاعتراف السياسي.
ويشير محللون إلى أن الاعتماد الإسرائيلي على مصادر طاقة خارجية يفتح المجال أمام دول المنطقة للتأثير في هذا القطاع، لكن استخدام هذا النفوذ في اتجاه معاكس يثير تساؤلات حول طبيعة السياسات المتبعة.
في السياق ذاته، يؤكد خبراء الطاقة أن سوق النفط العالمية تتسم بالتشابك، ما يجعل من الصعب تتبع جميع مسارات الشحنات بدقة، لكن الأرقام الواردة في التقرير تعكس اتجاهًا واضحًا لا يمكن تجاهله.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تؤثر على صورة السعودية في الشارع العربي، خاصة في ظل تصاعد الوعي الشعبي بقضايا التطبيع، وتزايد الحساسية تجاه أي تعاون مع إسرائيل.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تحاول فيه الرياض لعب دور إقليمي متوازن، يجمع بين الحفاظ على علاقاتها مع الغرب، والانفتاح على قوى جديدة، دون خسارة موقعها التقليدي في العالمين العربي والإسلامي.
وتشير التقديرات إلى أن مسار التقارب مع إسرائيل، حتى وإن ظل غير معلن، قد يتوسع تدريجيًا ليشمل مجالات أخرى، في حال استمرت الظروف الإقليمية والدولية الحالية.
في المقابل، يواجه هذا المسار تحديات داخلية وخارجية، أبرزها رفض قطاعات واسعة من الرأي العام لأي شكل من أشكال التطبيع، إضافة إلى تعقيدات الملف الفلسطيني.
وتؤكد هذه التطورات أن ملف الطاقة بات أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل العلاقات في الشرق الأوسط، حيث تتحول المصالح الاقتصادية إلى مدخل لتغييرات سياسية أوسع.
ويبقى السؤال المطروح حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمهّد لتحول استراتيجي معلن في العلاقات السعودية الإسرائيلية، أم أنها ستظل في إطار التعاون غير المباشر الذي تحكمه اعتبارات المرحلة.
وتعكس الوقائع الحالية مسارًا متدرجًا نحو إعادة رسم التحالفات في المنطقة، في ظل تراجع الاعتبارات الأيديولوجية لصالح حسابات المصالح، وهو ما يثير جدلًا واسعًا حول مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية.