إلغاء عقد بمليارات الدولارات في “نيوم” يعمق الخسائر الاقتصادية في السعودية

يكشف إلغاء عقد ضخم بقيمة 5 مليارات دولار ضمن مشروع “تروجينا” في نيوم عن تصاعد مؤشرات التعثر في المشاريع العملاقة التي يروج لها ولي العهد محمد بن سلمان، وسط خسائر مالية متزايدة وضغوط على نموذج الاستثمار لتنويع اقتصاد المملكة.

وأكد بيان صادر عن شركة “ويبيلد” الإيطالية إنهاء عقد إنشاء السد والبحيرة الصناعية في تروجينا، بعد تنفيذ جزئي للأعمال، مع الإشارة إلى تسجيل تكاليف إضافية وخسائر مرتبطة بإنهاء المشروع.

ويعكس القرار تحولًا لافتًا في مسار أحد أبرز المشاريع التي كانت تُقدّم كرمز لرؤية السعودية المستقبلية.

وجاء هذا الإلغاء ضمن سلسلة مراجعات وإعادات هيكلة تطال مشاريع “نيوم”، التي تُقدّر تكلفتها الإجمالية بأكثر من 500 مليار دولار، في ظل صعوبات تمويلية وتحديات تنفيذية متزايدة.

ويعكس إنهاء عقد “تروجينا” فجوة بين الطموحات المعلنة والواقع التنفيذي، حيث كانت المدينة الجبلية تُسوّق كوجهة عالمية للرياضات الشتوية، رغم الطبيعة الصحراوية للمملكة، ما أثار منذ البداية تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية والبيئية للمشروع.

وتُظهر البيانات أن إلغاء عقد بهذا الحجم بعد تقدم جزئي في التنفيذ يعني تكبد خسائر مباشرة وغير مباشرة، تشمل تكاليف الإنشاءات الأولية، والتعويضات التعاقدية، إضافة إلى كلفة إعادة طرح المشاريع أو تعديل تصميماتها.

وتضع هذه التغييرات ضغوطًا إضافية على الميزانية السعودية، خاصة في ظل تراجع الإيرادات النفطية نسبيًا وارتفاع الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية الضخمة ما يعكس تراجع ثقة بعض الشركات الدولية في استقرار العقود طويلة الأجل داخل المشاريع السعودية، حيث يؤدي إلغاء أو تعديل الاتفاقيات إلى زيادة المخاطر الاستثمارية ورفع كلفة التمويل.

وتؤكد مؤشرات السوق أن شركات المقاولات العالمية بدأت تأخذ في الحسبان احتمالات التغيير المفاجئ في المشاريع، ما قد يدفعها إلى طلب شروط مالية أكثر تحفظًا أو تقليص انخراطها في المشاريع المستقبلية.

ويتزامن ذلك مع تقارير متزايدة عن تأجيل أو تقليص أجزاء من مشاريع “نيوم”، بما في ذلك إعادة تقييم مشروع “ذا لاين”، الذي كان يُعدّ حجر الأساس في رؤية التحول الحضري للمملكة.

وتشير التحليلات إلى أن الرهان على مشاريع ضخمة فائقة الطموح، دون وجود طلب فعلي كافٍ أو نموذج اقتصادي واضح، أدى إلى تضخم التكاليف وتزايد المخاطر، ما دفع الجهات المعنية إلى إعادة النظر في أولويات التنفيذ.

ويبرز في هذا السياق التحدي المتعلق بتمويل المشاريع، حيث تعتمد السعودية بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية، التي لم تتدفق بالمستوى المتوقع، ما اضطر الحكومة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الموارد المحلية وصندوق الاستثمارات العامة.

وتعكس هذه التطورات ضغطًا متزايدًا على الصندوق السيادي السعودي، الذي يموّل جزءًا كبيرًا من المشاريع، في وقت يواجه فيه التزامات مالية متعددة داخل وخارج المملكة.

كما أن إلغاء عقد “تروجينا” قد يكون مؤشرًا على توجه أوسع نحو تقليص النفقات والتركيز على المشاريع ذات العائد الأسرع، بدلًا من الاستمرار في مشاريع طويلة الأجل عالية المخاطر.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل اعترافًا ضمنيًا بصعوبة تنفيذ الرؤية الأصلية للمشاريع الضخمة بالصيغة التي تم الإعلان عنها، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية والتوترات الإقليمية في وقت يشمل التحدي إلى جانب التمويل القدرة على التنفيذ في بيئات جغرافية معقدة، إضافة إلى التحديات التقنية المرتبطة بمشاريع غير مسبوقة على هذا الحجم.

وتعكس هذه الأزمة أيضًا فجوة في التخطيط الاستراتيجي، حيث تم إطلاق مشاريع ضخمة بوتيرة متسارعة دون استكمال دراسات الجدوى التفصيلية أو اختبار قدرتها على الاستدامة الاقتصادية فيما استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر، خاصة إذا استمرت عمليات الإلغاء وإعادة الهيكلة، ما يهدد بتحول المشاريع من أدوات للنمو إلى عبء مالي طويل الأمد.