أخبار

إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية: دعايات محمد بن سلمان تصطدم بواقع المال والوقت

أعاد تصريح لوزير الاستثمار السعودي حول “إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية” فتح نقاش واسع بشأن جوهر الاستراتيجية الاقتصادية التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، بعدما أقرّ للمرة الأولى بشكل صريح بتأجيل عدد من المشاريع العملاقة، وعلى رأسها مشروع “ذا لاين” ضمن مدينة نيوم، لصالح أولويات أخرى فرضتها استضافة فعاليات دولية كبرى مثل كأس العالم وإكسبو.

وقد شكل الاعتراف صدمة سياسية وإعلامية، لأنه ينسف عمليًا سنوات من الخطاب الدعائي الذي قدّم مشاريع رؤية 2030 بوصفها مسارًا حتميًا لا رجعة عنه، وجداول زمنية “صارمة” لا تعرف التأجيل. اليوم، تتضح فجوة واسعة بين الصورة التي سُوّقت للعالم وبين الواقع المالي والتنفيذي على الأرض.

ويرى منتقدون أن ما جرى ليس مجرد “إعادة ترتيب” عابرة، بل إقرار ضمني بأن بعض المشاريع صُممت أساسًا على منطق الاستعراض السياسي أكثر من الحسابات الاقتصادية.

فمشروع “ذا لاين”، الذي رُوّج له كمدينة مستقبلية بلا شوارع ولا سيارات، تحوّل من أيقونة دعائية إلى عبء مالي مؤجل، بعدما استنزف مليارات الدولارات من دون أن يقترب من الجدوى الاقتصادية التي وُعد بها.

ويعيد هذا التحول إلى الواجهة الانتقادات القديمة التي وُجهت لرؤية 2030 منذ انطلاقتها، حين حذّر خبراء اقتصاديون ومعارضون سعوديون من أن طموحاتها “أكبر من قدرة الاقتصاد على الاحتمال”، وأن الجداول الزمنية المعلنة أقرب إلى حملات تسويق سياسي منها إلى خطط تنفيذ واقعية.

إذ أن هؤلاء، كما يقول ناشطون، وُوجهوا حينها بالتخوين والتشكيك واتهامات “العمل ضد الوطن”، قبل أن تأتي تصريحات رسمية اليوم لتؤكد أن التأجيل والمراجعة أصبحا أمرًا واقعًا.

ويعكس هذا التراجع ضغوطًا مالية متراكمة. فالسعودية تجد نفسها أمام التزامات دولية ضخمة، وبنية تحتية تتطلب إنفاقًا فوريًا لاستضافة أحداث عالمية، في مقابل موارد محدودة وبيئة اقتصادية عالمية متقلبة. ومع تراجع أسعار النفط في بعض الفترات، لم يعد تمويل كل شيء في آن واحد ممكنًا، مهما بدا الخطاب الرسمي واثقًا.

وفي هذا السياق، نقلت بلومبيرغ أن السعودية تستعد للإعلان عن استراتيجية اقتصادية جديدة قد تصل كلفتها إلى نحو تريليوني دولار، في وقت تعاني فيه الميزانية من ضغوط واضحة وعجز مستمر منذ عام 2022.

والمفارقة أن الحديث عن “استراتيجية جديدة” يأتي قبل تقييم جدي لنتائج الاستراتيجيات السابقة، وكأن الحل الدائم لأي تعثر هو إطلاق خطة أضخم وأكثر كلفة.

وبحسب وزير المالية محمد الجدعان، ستركّز الخطة المقبلة على قطاعات السياحة والتصنيع واللوجستيات والتكنولوجيا. غير أن هذه العناوين الفضفاضة تكررت في خطابات سابقة من دون أن تُترجم إلى أرقام شفافة أو جداول زمنية واضحة. وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى الدعوة مرارًا لمزيد من الشفافية حول كيفية إدارة الإنفاق العام وتقييم جدوى المشاريع.

وتزعم الحكومة السعودية أن العجز المالي “خيار متعمد” لدعم الاستثمار وتحفيز النمو، لكن هذا الخيار يعني عمليًا الاعتماد المتزايد على الاقتراض والتمويل لسد فجوة تُقدّر بنحو 58 مليار دولار هذا العام. وبينما يُقدَّم العجز كأداة استراتيجية، يرى اقتصاديون أنه يعكس مأزقًا حقيقيًا: مشاريع ضخمة بلا عوائد سريعة، واقتصاد لا يزال يعتمد في جوهره على النفط.

فعلى الرغم من الخطاب المتكرر عن “التنويع الاقتصادي”، ما زال قطاع النفط المحرك الأساسي للنمو، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى تحقق التحول المنشود. فهل جرى بالفعل بناء بدائل مستدامة، أم أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز إعادة تدوير العوائد النفطية في مشاريع استعراضية مرتفعة الكلفة؟

الأخطر، بحسب مراقبين، أن هذا النموذج من التخطيط القائم على الدعاية يضعف الثقة العامة. فكل تأجيل جديد يُقوّض مصداقية الوعود السابقة، ويحوّل “رؤية 2030” من مشروع وطني جامع إلى سلسلة من الشعارات المتغيرة حسب الظرف المالي والسياسي. ومع كل إعلان عن “مراجعة” أو “إعادة ترتيب”، يتضح أن المشكلة ليست في التفاصيل، بل في فلسفة التخطيط نفسها.

وعليه يبدو أن استراتيجية محمد بن سلمان الدعائية، القائمة على إطلاق مشاريع عملاقة متلاحقة، اصطدمت بحقائق الاقتصاد والوقت.

وما يجري اليوم ليس سوى بداية مرحلة أقل صخبًا وأكثر حذرًا، تُدار فيها التراجعات بلغة ناعمة، لكن آثارها ستظل حاضرة: أحلام كبرى مؤجلة، وموارد عامة أُنفقت، وسؤال مفتوح حول من يتحمل كلفة هذا المسار عندما تنطفئ الأضواء الدعائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى