
في وقتٍ تواجه فيه السعودية عجزًا متزايدًا في الميزانية العامة، وتراجعًا ملحوظًا في زخم المشاريع العملاقة التي رُوّج لها بوصفها ركيزة “رؤية 2030”، تكشف الأرقام المرتبطة بجولة ليف غولف عن أحد أكثر ملفات الإنفاق إثارة للجدل داخل صندوق الاستثمارات العامة، بحيث تحولت إلى نزيف مالي مفتوح بلا أفق واضح للربحية.
فمنذ إطلاقها عام 2021، موّلت السعودية عبر صندوقها السيادي جولة ليف غولف بوصفها مشروعًا رياضيًا وإعلاميًا يهدف إلى اختراق عالم الغولف العالمي ومنافسة جولة PGA التقليدية.
غير أن ما بدأ كرهان على “القوة الناعمة” تحوّل سريعًا إلى عبء مالي ثقيل، تُحرق فيه المليارات عامًا بعد عام دون تحقيق عوائد تجارية حقيقية.
وبحسب بيانات نقلها موقع Money in Sport عن تقرير OutKick، بلغت الخسائر السنوية التي تحملها الصندوق منذ تأسيس الجولة مستويات لافتة.
ففي عام 2021 وحده، أُنفِق نحو 4.5 مليارات ريال، ما يعادل 1.2 مليار دولار. وقد ارتفع الرقم في 2022 إلى قرابة 4.88 مليارات ريال.
ورغم انخفاض الإنفاق نسبيًا في 2023 إلى نحو 750 مليون ريال، عاد النزيف بقوة في 2024 عند مستوى 4.5 مليارات ريال، ثم 4.13 مليارات ريال في 2025. أما في 2026، فقد بلغ الإنفاق حتى الآن قرابة مليار ريال، مع توقعات بارتفاعه قبل نهاية العام.
ولا تمثل هذه الأرقام استثمارًا طويل الأجل ينتظر عائدًا مؤجلًا، بل خسائر صافية، وهو ما أكده بنفسه الرئيس التنفيذي لجولة ليف غولف حين صرّح بأن الجولة ستستمر في تكبّد الخسائر حتى عام 2030. أي أن كل ما صُرف حتى الآن، وكل ما سيُضخ خلال السنوات المقبلة، هو إنفاق بلا أرباح، يُموّل بالكامل من المال العام السعودي.
ويقف خلف هذا الرهان ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة LIV Golf. هذا التداخل في الأدوار يطرح أسئلة جدية حول الحوكمة، وتضارب المصالح، وآليات المساءلة داخل الصندوق، خاصة عندما تكون النتائج بهذا القدر من السوء المالي.
ووفق Money in Sport، ضخ الصندوق في فبراير الماضي وحده 267 مليون دولار إضافية في ليف غولف، ما رفع إجمالي استثماراته إلى نحو 5.3 مليارات دولار، أي ما يقارب 19.9 مليار ريال.
ومع وتيرة إنفاق تقترب من 100 مليون دولار شهريًا خلال عامي 2024 و2025، يُتوقع أن يتجاوز الإنفاق التراكمي حاجز 6 مليارات دولار بنهاية هذا العام.
ولا يقتصر النزيف على عقود اللاعبين أو تكاليف التشغيل، بل يمتد إلى تضخم الجوائز المالية. فقد رفعت ليف غولف جوائزها هذا العام بإضافة 65 مليون دولار، ليرتفع إجمالي الجوائز في البطولة الواحدة من 25 مليون دولار إلى أكثر من 32 مليون دولار.
والملاحظ أن هذا السخاء المالي لم يُقابَل بارتفاع مماثل في نسب المشاهدة أو العائدات الإعلانية، ما يعمّق الفجوة بين الإنفاق والعائد.
يأتي هذا كله في لحظة اقتصادية حساسة للمملكة. فالسعودية تعاني من عجز متنامٍ في الميزانية العامة، مدفوع بتقلب أسعار النفط وارتفاع كلفة المشاريع الحكومية.
وفي الوقت نفسه، جرى تقليص أو تأجيل عدد من المشاريع الكبرى التي حظيت بترويج إعلامي كثيف خلال السنوات الماضية، وسط حديث متزايد عن “إعادة ترتيب الأولويات”.
في هذا السياق، تبدو مليارات ليف غولف مثالًا صارخًا على اختلال البوصلة الاستثمارية. فبدل توجيه هذه الأموال نحو قطاعات إنتاجية، أو مشاريع تنموية مستدامة، أو حتى تحسين الخدمات العامة، تُحرق المليارات في مشروع رياضي عالمي لا يحقق أرباحًا، ولا يخفف الضغط عن المالية العامة، ولا يخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلي.
ويدافع أنصار هذا النهج بالقول إن ليف غولف استثمار في السمعة والنفوذ، وإن العائد غير مالي. لكن هذا التبرير يضعف أمام حجم الخسائر، وطول أمدها، وغياب أي مؤشرات على تحوّل مستقبلي نحو الاستدامة، فالنفوذ الذي يُشترى بالمليارات دون سقف زمني أو خطة خروج واضحة، يتحول من أداة قوة ناعمة إلى عبء سياسي واقتصادي.