متفرقات سعودية

نيوم تحت المقصلة: انكشاف “مدينة المستقبل” بين العجز المالي وارتباك القرار

كشفت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية أن السلطات السعودية بدأت فعليًا التراجع عن مشروع «نيوم» التي وصفت بأنها مدينة المستقبل وتمثل أحد أكثر مشاريع “رؤية 2030” إثارة للجدل، بعد توجيه من ولي العهد محمد بن سلمان بإعادة تقييم شاملة للمشروع.

وتمثل الخطوة، بحسب الصحيفة، اعترافًا ضمنيًا بأن الرهانات العملاقة التي سُوّقت بوصفها نموذجًا لمدن المستقبل اصطدمت بواقع مالي وتنفيذي لا يمكن تجاهله.

وبحسب «ذا تايمز»، فإن المراجعة الجارية قد تقود إلى تقليص مشروع «ذا لاين» أو إعادة صياغته بصيغة أقل طموحًا، مع تحويل البوصلة نحو مشاريع أكثر تواضعًا وقابلية للتنفيذ، مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا التحول بعد اتضاح أن التصورات الأصلية للمشروع تجاوزت قدرات الدولة المالية والتنفيذية، وأن الوعود التي رافقت إطلاق «نيوم» افتقرت إلى أساس واقعي متين.

فالمشروع الذي قُدّم كحل جذري للنمو السكاني والتحول الحضري في المملكة، تحوّل إلى مقامرة باهظة الكلفة. فقد كان متوقعًا أن تصل تكلفة «ذا لاين» وحده إلى مئات المليارات من الدولارات، في وقت تعاني فيه السعودية عجزًا متكررًا في الميزانية، وتواجه ضغوطًا متزايدة مع تراجع أسعار النفط وارتفاع الإنفاق العام.

ودفع هذا الواقع الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة إلى إعادة ترتيب أولويات الصرف، والبحث عن مخارج تقلل الخسائر بدل الاستمرار في سباق استعراضي مكلف.

ولم يقتصر التعثر على «ذا لاين». فمشاريع أخرى ضمن «نيوم» بدت، وفق الصحيفة، أقرب إلى الدعاية منها إلى التخطيط الواقعي. مشروع «تروجينا» للتزلج بالثلوج الاصطناعية، الذي رُوّج له كرمز للتحدي الهندسي واستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، تبيّن أنه غير قابل للإنجاز ضمن الجداول الزمنية المعلنة.

أما «أوكساگون»، المدينة الصناعية العائمة، فما زالت حبيسة الوعود والعروض الترويجية دون إنجاز ملموس على الأرض.

والإنجاز الوحيد الذي سُوّق بوصفه افتتاحًا فعليًا لـ«نيوم» كان منتجع «سندالة» لليخوت. غير أن «ذا تايمز» وصفت إطلاقه العام الماضي بالفشل المكلف.

فقد رافق الافتتاح حفل بذخي حضره مشاهير عالميون، لكنه انتهى بإقالة الرئيس التنفيذي للمشروع، في مشهد عكس انفصالًا صارخًا بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي.

كما أشارت الصحيفة إلى تضخيم أرقام الإقبال على المنتجع خلال الافتتاح، في محاولة لتسويق نجاح وهمي أثار تساؤلات جدية حول الشفافية والمساءلة داخل أحد أكبر مشاريع صندوق الاستثمارات العامة.

وتأتي إعادة التقييم في لحظة تحاول فيها الرياض إعادة توجيه استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، في مسعى لمنافسة الإمارات إقليميًا بعد أن بدأ بريق مشاريع “المدن المستقبلية” يتلاشى. هذا التحول، بحسب الصحيفة، ليس خيارًا استراتيجيًا مدروسًا بقدر ما هو محاولة للالتفاف على إخفاقات بات من الصعب إنكارها.

وفي السياق الأوسع، ترى «ذا تايمز» أن إخفاق «نيوم» يسلّط الضوء على طبيعة صنع القرار في المملكة، حيث تُدار المشاريع العملاقة بقرارات فوقية وطموحات غير محسوبة، مع توظيف كثيف للمال العام لبناء صورة سياسية أكثر من بناء اقتصاد مستدام.

ورغم الإصلاحات الاجتماعية التي جرى الترويج لها، مثل تقليص نفوذ المؤسسة الدينية والسماح للنساء بالقيادة، فإن هذه الخطوات لم تحجب الانتقادات الواسعة لسجل حقوق الإنسان، في ظل حملات قمع طالت معارضين وناشطين، صدرت بحق بعضهم أحكام قاسية بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

في المحصلة، تقدم «نيوم» — كما تخلص «ذا تايمز» — نموذجًا صارخًا لطموح بلا حساب، وسوء تخطيط مغلف بالدعاية، وسياسات إنفاق تُراكم المخاطر بدل بناء بدائل واقعية. ومع أول اختبار اقتصادي حقيقي، تهاوت السردية اللامعة، وباتت “مدينة المستقبل” عنوانًا لأزمة إدارة لا يمكن تغطيتها بالمؤتمرات والعروض الترويجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى