القمع العابر للحدود في السعودية.. نمط متكرر وانتهاكات موثقة

تُظهر الوقائع الموثقة خلال الأعوام الأخيرة أن ما تمارسه السلطات السعودية من قمع عابر للحدود يرقى إلى نمط منهجي من القمع العابر للحدود، تُسخر له أطر قانونية وأمنية إقليمية وثنائية لتوقيف الأفراد ونقلهم قسرًا، بسبب نشاطهم السلمي أو آرائهم السياسية أو حتى صلاتهم العائلية.
وتعتمد السلطات السعودية على اتفاقيات ثنائية للتعاون الأمني وتسليم المطلوبين، إضافة إلى أطر إقليمية مثل مجلس التعاون الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب.
وتفتقر هذه الأطر بصيغتها الحالية إلى ضمانات صريحة تحظر التسليم عندما يوجد خطر حقيقي بالتعذيب أو الاختفاء القسري، ولا تُلزم بإجراء تقييم فردي مستقل للمخاطر، ولا توفّر رقابة قضائية فعّالة ما يجعل النتيجة العملية هي تجاوز مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتحوّل التعاون الأمني إلى مسار مختصر لتجريد الأفراد من حقوقهم الأساسية.
وتبرز المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن النمط واحد في معظم الحالات: توقيف في دولة ثالثة بطلب سعودي، تسليم أو ترحيل سريع دون فحص جدي للمخاطر، ثم احتجاز فور الوصول في ظروف سرية أو شبه سرية داخل السعودية.
ويعقب ذلك حجب أو تأخير الإفصاح عن مكان الاحتجاز، وحرمان من التواصل مع العائلة أو المحامي، مع استخدام الاحتجاز الانفرادي كمرحلة أولى قبل أي إجراءات قضائية ما يُرسّخ سياسة ردع واسعة تطال دوائر اجتماعية كاملة.
وتُظهر الملفات المعروفة هذا النمط بوضوح. تسليم حسن آل ربيع من المغرب عام 2023 تبعه احتجاز في ظروف اختفاء قسري لأشهر. أسامة الحسني أُعيد من المغرب عام 2021 رغم طلب تدابير مؤقتة من لجنة مناهضة التعذيب.
الناشط أمجد طارق الفرج أُعيد قسرًا من عُمان عام 2019. اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018 قدّم المثال الأشدّ خطورة على توظيف البعثات الدبلوماسية نفسها كأدوات للقمع العابر للحدود.
كما شملت القائمة تسليم الشاعر نواف الرشيد من الكويت عام 2018، وترحيل المدافع عن حقوق الإنسان محمد العتيبي من قطر عام 2017، وإعادة دينا علي السلوم من الفلبين في العام نفسه وسط غموض مستمر حول مصيرها.
وتشير الوقائع إلى أن الاستهداف يطال بالدرجة الأولى المعارضين السياسيين في الخارج، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والنشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي. كما تُسجَّل مخاطر مرتفعة بحق أفراد من مناطق مهمّشة أو أقليات، وبحق أقارب مطلوبين، في توسيع متعمّد لدائرة الردع.
ورغم وضوح الالتزامات القانونية الدولية، تظل المساءلة شبه غائبة. التحقيقات المستقلة نادرة، والملاحقات القضائية محدودة، وتفعيل الولاية القضائية العالمية ضعيف ما يبعث رسالة عملية مفادها أن الكلفة السياسية والقانونية منخفضة، ما يشجّع على التكرار والتوسّع.
وعليه فغن ما تكشفه الحالة السعودية هو أن الاختفاء القسري في سياق القمع العابر للحدود ليس ممارسة طارئة، بل سياسة تُدار عبر شبكة اتفاقيات وأطر إقليمية وأدوات دبلوماسية، في غياب ضمانات حقوقية فعّالة.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن الاستمرار في توصيف هذه الوقائع كحوادث معزولة لا يحجب الحقيقة فحسب، بل يوفّر الغطاء لاستدامة الانتهاك، حيث أن المسألة لم تعد توثيقًا إضافيًا بقدر ما هي اختبار لإرادة دولية حقيقية تُعيد الاعتبار لسيادة القانون وحقوق الإنسان، وتضع حدًا لاستخدام التعاون الأمني كسلاح سياسي.




