خلف واجهة التحديث السعودية… قمعٌ ممنهج وإعدامات قياسية وحقوق مُقيَّدة

أكد التقرير السنوي لمنظمة القسط لحقوق الإنسان لعام 2025، أن الصورة التي تروّج لها السعودية بوصفها دولة «منفتحة ومُصلحة» تخفي وراءها واقعًا حقوقيًا قاتمًا، تتواصل فيه الانتهاكات الجسيمة بلا انقطاع بما في ذلك قمعٌ ممنهج وإعدامات قياسية وحقوق مُقيَّدة.

ويجسّد عنوان التقرير، «قيدٌ لا ينكسر»، حقيقة أن الإفراج عن بعض معتقلي الرأي لم يكن سوى خطوة شكلية، أبقت معظمهم تحت قيود صارمة، بينما استمر القمع وتفاقم استخدام عقوبة الإعدام في جرائم لا تُعدّ من «الأشد خطورة».

ويستعرض التقرير، وهو الحادي عشر للمنظمة، أوضاع حقوق الإنسان خلال عام 2025، مبرزًا أن «الانفراجات المحدودة» في مطلع العام—وأبرزها الإفراج عن عشرات من معتقلي الرأي—لم تُفضِ إلى حرية حقيقية.

فالمفرَج عنهم ما زالوا يرزحون تحت حظر السفر والمراقبة والتهديد بإعادة الاعتقال، فيما يستمر الاحتجاز التعسفي بحق آخرين، مع تمديد أحكام أو فرض أحكام جديدة، شملت حتى رعايا أجانب.

ويُسجّل التقرير رقمًا صادمًا في ملف الإعدامات: 356 حكم إعدام نُفِّذت في 2025 وفق وكالة الأنباء السعودية، متجاوزةً رقم العام السابق (345).

الأخطر أن أكثر من نصف الإعدامات كانت في قضايا مخدرات غير مميتة، وأن غالبية الضحايا من غير السعوديين. كما نُفِّذت إعدامات تحت تهم «إرهاب» بصياغات مطاطية قد تشمل التعبير السلمي، كما في قضية الصحفي تركي الجاسر، إضافة إلى إعدام شابين بزعم ارتكاب جرائم حين كانا قاصرين—في انتهاك فاضح للمعايير الدولية.

ولم يتوقف القمع عند الإعدامات. فقد وثّق التقرير الإخلاءات القسرية خلال 2025، خصوصًا في مناطق أُفرغت قسرًا لصالح مشروع نيوم العملاق—أحد المواقع الخمسة المُعيّنة لاستضافة كأس العالم 2034.

وفي ظل ضعف أنظمة العمل وسوء تطبيقها، يحذّر التقرير من أن تسارع مشاريع البنية التحتية وتزايد الطلب على العمالة المهاجرة يفاقمان مخاطر الاستغلال الواسع ووفيات العمال.

أما النساء، فلا يزلن يواجهن تمييزًا متجذرًا ومسنودًا قانونيًا رغم خطاب «التمكين». ويشير التقرير إلى خطوة مثيرة للقلق في 22 أكتوبر 2025، حين عُيّن صالح الفوزان مفتيًا عامًا بتوصية من محمد بن سلمان، وهو المعروف بسجلٍّ حافل بتصريحات عدائية للنساء—ما يبعث برسالة ارتدادٍ واضحة عن أي إصلاح حقيقي.

ويُبرز التقرير خللًا بنيويًا أخطر: غياب دستور ونظام جنائي مُدوَّن، ما يخلق فراغًا قانونيًا تتغذّى عليه أنظمة غامضة وقمعية مثل نظام مكافحة «الإرهاب» ونظام مكافحة «جرائم المعلوماتية».

كما يشير إلى أن نظام العقوبات التعزيرية—الذي وُعِد بإقراره عام 2022 ليكون أول نظام جنائي مكتوب—لا يزال مُعلَّقًا، في إبقاء متعمَّد لسلطة تقديرية واسعة تُستخدم لتجريم الرأي.

وفي سياق عودة الانخراط الدولي للمملكة بعد عزلة أعقبت جرائم بارزة—منها اغتيال جمال خاشقجي عام 2018—يشدّد تقرير «القسط» على أن تلميع الصورة عبر الاستثمار والرياضة والفعاليات العالمية لا ينبغي أن يُسكت السياسيين وقادة الأعمال ونجوم الترفيه عن انتهاكات مستمرة، ولا عن قدرتهم على الضغط لإحداث تغيير.

ويخلص التقرير إلى أن ما يجري يعبر عن سياسة دولة تُدير القمع بواجهة تحديثية. وفي عالم مضطرب، تؤكد «القسط» أن الحاجة إلى مواقف مبدئية لم تعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل واجبًا عاجلًا لوقف دائرة الإفلات من العقاب التي تتسع في السعودية.