
شهدت شركة أرامكو خلال السنوات الأخيرة تحولات غير مسبوقة طالت بنيتها المالية وملكية أصولها، في وقت أغرقت سياسات ولي العهد محمد بن سلمان الشركة بسلسلة ديون قياسية والتفريط بأصول استراتيجية بهدف تمويل مشاريع “رؤية 2030” وسد العجز الناتج عن الإنفاق الضخم على المشاريع الترفيهية والعقارية.
وبحسب بيانات وتقارير مالية فإن أرامكو انتقلت خلال أقل من عقد من شركة شبه خالية من الديون إلى واحدة من أكثر شركات الطاقة مديونية في المنطقة، بعدما ارتفع حجم ديونها من صفر تقريباً نهاية عام 2014 إلى ما يقارب 100 مليار دولار مطلع عام 2025.
ويعتبر مراقبون هذا التحول سابقة خطيرة في تاريخ الشركة التي ظلت لعقود تمثل “صمام الأمان” للاقتصاد السعودي والمصدر الرئيسي لاحتياطاته المالية.
وتزامن هذا التوسع في الاقتراض مع صعود محمد بن سلمان إلى واجهة الحكم، حيث بدأت الحكومة السعودية تعتمد بصورة متزايدة على أرامكو لتوفير السيولة اللازمة لتمويل مشاريع ضخمة ضمن “رؤية 2030”، في وقت ارتفعت فيه كلفة الإنفاق الحكومي بصورة غير مسبوقة.
وفي موازاة سياسة الاستدانة، اتجهت أرامكو إلى بيع أجزاء من أصولها الاستراتيجية عبر صفقات “البيع وإعادة الاستئجار”، وهي سياسة تقوم على بيع الأصل لمستثمرين أجانب ثم استئجاره منهم بعقود طويلة الأجل.
وكشفت وكالة بلومبيرغ مؤخراً أن أرامكو تدرس بيع أصول عقارية جديدة تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، مع إعادة استئجارها لفترات طويلة بهدف توفير سيولة عاجلة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الخطوة تعكس أزمة سيولة متفاقمة داخل الشركة والحكومة السعودية، خصوصاً أن أرامكو تمتلك تدفقات مالية ضخمة كان يمكن أن تغنيها عن التفريط بأصولها الاستراتيجية.
وبدأت أولى صفقات التخارج الكبرى في يونيو 2021، عندما باعت أرامكو حصة 49 بالمئة من شركة “أرامكو لأنابيب النفط الخام” لتحالف صيني إماراتي مقابل 12.4 مليار دولار.
وفي نهاية العام نفسه، وقعت صفقة أخرى بقيمة 15.5 مليار دولار شملت شبكة خطوط أنابيب الغاز التابعة لها لصالح تحالف تقوده شركة بلاك روك، مقابل حصوله على حصة 49 بالمئة.
لكن الصفقة الأخطر جاءت في أغسطس 2025 حين أبرمت أرامكو اتفاقاً جديداً يتعلق بحقل الجافورة، أكبر حقول الغاز في المملكة، بقيمة 11 مليار دولار مع تحالف تقوده بلاك روك أيضاً، حصل بموجبه على حصة 49 بالمئة من المشروع مع إعادة تأجيره لأرامكو لمدة 20 عاماً.
وتكشف هذه الصفقات عن انتقال أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية والغازية السعودية إلى أيدي شركات واستثمارات أجنبية، في تحول يصفه منتقدون بأنه مساس مباشر بالسيادة الاقتصادية للمملكة.
كما تحدثت تقارير عن ترتيبات إضافية لبيع حصص في أصول تخزين وتصدير النفط لصالح مؤسسات مالية أمريكية بينها سيتي غروب، ضمن خطة مستمرة لجمع السيولة.
ورغم أن هذه الصفقات وفرت لأرامكو نحو 50 مليار دولار خلال خمس سنوات، فإن منتقدي السياسات الحكومية يرون أنها جاءت على حساب الأصول الاستراتيجية طويلة الأمد، حيث أصبحت أجزاء من منشآت النفط والغاز السعودية مرهونة فعلياً لشركات أجنبية بعقود تمتد بين 20 و25 عاماً.
ويشير محللون إلى أن المفارقة تكمن في أن أرامكو ما تزال تحقق إيرادات ضخمة، إذ تجاوزت إيراداتها خلال الربع الأول من عام 2025 وحده 108 مليارات دولار، وهو رقم يفوق بكثير ما جمعته الشركة من بيع أصولها خلال السنوات الأخيرة.
ولم تتوقف التحولات عند حدود الديون وبيع الأصول، بل امتدت إلى هيكل الملكية نفسه، بعدما تقلصت حصة الدولة المباشرة في أرامكو من 100 بالمئة إلى نحو 81 بالمئة فقط.
ووثقت وكالة رويترز في مارس 2026 سلسلة عمليات نقل ملكية لأسهم أرامكو لصالح صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إضافة إلى عمليات بيع مباشرة للأسهم.
وبدأت أولى عمليات النقل في فبراير 2022 عبر تحويل 4 بالمئة من أسهم أرامكو إلى صندوق الاستثمارات العامة، ثم جرى نقل 4 بالمئة أخرى في أبريل 2024، قبل استكمال نقل 8 بالمئة إضافية لاحقاً.
ويرى مراقبون أن هذه العمليات تعني عملياً تفكيك الملكية التقليدية لأكبر شركة نفط في العالم، وتحويلها تدريجياً إلى أداة تمويل لصندوق الاستثمارات العامة والمشاريع المرتبطة بولي العهد.
وتثير هذه السياسات مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية السعودية من مستقبل أرامكو، خاصة مع تصاعد حجم الديون وفقدان السيطرة الكاملة على بعض الأصول الاستراتيجية.
كما يخشى خبراء من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى إضعاف قدرة الشركة على لعب دورها التقليدي كدعامة رئيسية للاقتصاد السعودي، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
ويعتبر منتقدون أن ما يجري يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الثروة النفطية السعودية، حيث انتقلت أرامكو من شركة سيادية مغلقة تحافظ على أصولها وتديرها بالكامل لصالح الدولة، إلى شركة مثقلة بالديون ومفتوحة أمام المستثمرين الأجانب بصورة متزايدة.
ويحذر هؤلاء من أن استمرار بيع الأصول ونقل الملكية قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص استقلالية القرار النفطي السعودي وربط جزء متزايد من البنية الاقتصادية للمملكة بمصالح مؤسسات استثمارية وشركات أجنبية.