
أثارت الزيارة الأخيرة التي قام بها محمد العيسى، الأمين العام لما يسمى رابطة العالم الإسلامي المدعومة من الحكومة السعودية، إلى جامعة جورج واشنطن تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الذي بات يؤديه العيسى، وحدود الفصل بين الخطاب الديني المعلن والأجندة السياسية غير المعلنة التي تتحرك فيها الرياض على أكثر من جبهة.
وهيمن على الزيارة المثيرة للجدل سعي نظام محمد بن سلمان إلى محاولة كسب رضا دوائر بعينها في واشنطن وتل أبيب، حتى وإن جاء ذلك على حساب تجاهل متزايد لمعاناة المسلمين والفلسطينيين، داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وفي 15 فبراير/شباط الجاري، نشرت رابطة العالم الإسلامي مقطعًا مصورًا يظهر مشاركة العيسى في ندوة استضافتها الجامعة، وقدّمتها الرابطة على أنها محاضرة حول “المفهوم العام للكراهية” و”التعريف الشامل لمعنى معاداة أتباع الأديان والأعراق”.
غير أن هذا التأطير أغفل السياق الحقيقي للحدث، وطبيعة الجهة المنظمة، والرسائل السياسية التي حملها.
وقد نُظّمت الندوة ضمن برنامج جامعي يعرّف نفسه صراحة بأنه معني بدراسة “الجهاد العالمي، والإسلاموية، والتطرف المحلي، ومعاداة السامية”.
ويبرز مراقبون أن هذا الربط البنيوي بين الإسلام والتطرف، مع تخصيص “معاداة السامية” كقضية مستقلة تستوجب المعالجة، يعكس إطارًا فكريًا موجّهًا، لا مقاربة أكاديمية محايدة. فاليهودية، وفق هذا الخطاب، تُوضع خارج دائرة “التطرف”، بينما يُحشر الإسلام في قلبها.
وتترأس قسم “أبحاث الإرهاب” في هذا البرنامج لارا برنز، وهي عميلة سابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي، عُرفت بمواقفها العدائية تجاه حق المقاومة الفلسطينية.
وتشرف برنز على برنامج خاص بعنوان “الانتفاضة: حماس في الولايات المتحدة، بين الماضي والحاضر”، وهو عنوان يعكس مقاربة أمنية صِرفة تُسقط السياق الاستعماري والسياسي للصراع الفلسطيني.
وحمل الحدث الذي شارك فيه العيسى عنوان: “تحدّي التطرف ومعاداة السامية والكراهية، من الشرق الأوسط إلى الكليات الأمريكية” ما جعل “معاداة السامية” قضية مستقلة، في وقت تواجه فيه الجاليات المسلمة في الولايات المتحدة تصاعدًا في حملات الشيطنة والاتهام، لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة.
واللافت أن جامعة جورج واشنطن نفسها كانت قد أدانت، في وقت سابق، وقفة طلابية حدادية على أرواح الفلسطينيين، ووصفتها بـ”الاحتفال بالإرهاب”، ما يوضح المناخ السياسي الذي جرى فيه تنظيم الندوة، ويطرح تساؤلات حول الدور الذي أُسند للعيسى داخل هذا السياق.
من جانبها، بالغت رابطة العالم الإسلامي في تضخيم دور العيسى، وقدّمته كمتحدث رئيسي، في حين أن بيان الجامعة الرسمي خصّص له فقرة واحدة فقط.
وجاء في البيان أن المؤتمر “افتُتح بكلمات تناولت دور الشرق الأوسط في تصاعد معاداة السامية”، وأن العيسى، متحدثًا عبر مترجم، وصف خطاب الكراهية بأنه “صرخة الجاهلين والضعفاء”، مؤكدًا أهمية التعليم والتاريخ في مواجهة معاداة السامية.
ويوضح هذا النص أن مشاركة العيسى كانت موجهة تحديدًا لإطار “إيجاد حلول لمعاداة السامية”، لا لنقاش شامل حول الكراهية أو استهداف المسلمين.
كما أن حديثه عن “استغلال خطاب الكراهية من قبل أتباع الأديان” يأتي في سياق يستثني اليهودية عمليًا، بوصفها الطرف الذي يتعرض للكراهية لا الذي يُمارسها.
وتأتي هذه المشاركة ضمن تحركات سعودية أوسع لتحسين صورة المملكة لدى الدوائر اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة و”إسرائيل”، في ظل توترات سياسية إقليمية وخلافات غير معلنة مع أطراف عربية أخرى.
وقد سبقتها خطوات عدة، من بينها لقاءات أجراها خالد بن سلمان مع منظمات صهيونية في واشنطن، وحضور رسمي سعودي في فعاليات إحياء ذكرى “الهولوكوست” داخل الرياض، إلى جانب استقبال ولي العهد محمد بن سلمان للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام عقب جولة شملت تل أبيب وأبوظبي.
ويعزز هذا السياق حضور شخصيات معروفة بتبنّيها خطابًا صهيونيًا متطرفًا، مثل الناشطة المصرية داليا زيادة، التي ظهرت في مقطع الرابطة.
ويبرز هنا أن زيادة معروفة بدعواتها العلنية لاصطفاف العرب إلى جانب إسرائيل، وبمطالبتها باعتبار الحرب على غزة “حربًا بالنيابة عن العرب”، وقد واجهت مطالبات قانونية في مصر بإسقاط جنسيتها.
وإلى جانب ذلك، رُصد نشاط مكثف لحسابات إلكترونية موالية للرابطة والعيسى، عملت على “تعزيز” منشورات الزيارة بلغة متشابهة ونمط تفاعلي آلي.
والملاحظ أن هذه الحسابات، التي يتركز معظمها في السعودية، لا يظهر لها نشاط سياسي مستقل، وتتحرك بشكل متزامن للترويج للعيسى والرابطة، في مؤشر على حملة منظمة لإضفاء طابع إيجابي مصطنع على الحدث.