
كشفت معلومات حصرية لموقع سيمافور عن استحداث إدارة جديدة داخل مشروع نيوم تهدف إلى تعزيز الرقابة والحوكمة والتواصل المباشر مع الدولة السعودية، في خطوة تأتي بالتزامن مع موجة واسعة من تسريح العمال وتقليص القوى العاملة في أحد أكثر مشاريع ولي العهد محمد بن سلمان طموحًا وإثارة للجدل.
وبحسب سيمافور، أنشأت نيوم قسمًا جديدًا تحت مسمى رئاسة ديوان الإدارة، يضم خمسة مسؤولين تنفيذيين رفيعي المستوى، أوكلت إليهم مهام الإشراف على الحوكمة الداخلية، وضبط الأداء الإداري، وتعزيز قنوات التنسيق مع مؤسسات الدولة السعودية، في مؤشر واضح على تشديد القبضة الإدارية والسياسية على المشروع بعد سنوات من الإنفاق الهائل والوعود غير المتحققة.
ويرأس القسم الجديد مازن الفريح، وهو مسؤول انتقل إلى نيوم بعد أن شغل سابقًا منصبًا في قسم العقارات بصندوق الاستثمارات العامة، المالك والممول الرئيسي للمشروع.
ويعكس هذا التعيين استمرار هيمنة الصندوق السيادي على مفاصل القرار داخل نيوم، وتحويل المشروع فعليًا إلى ذراع تنفيذية مباشرة للدولة، لا كيانًا تطويريًا مستقلًا كما جرى الترويج له سابقًا.
وتأتي هذه التغييرات الإدارية في وقت يشهد فيه موقع البناء على الساحل الغربي للسعودية انخفاضًا ملحوظًا في أعداد الموظفين نتيجة عمليات تسريح متواصلة، بحسب مصدر مطّلع تحدث إلى سيمافور.
ووفق المصدر، فإن مئات الموظفين المباشرين في شركة نيوم جرى تسريحهم خلال الأشهر القليلة الماضية، من أصل نحو 6000 موظف، مع توقعات باستمرار هذه السياسة خلال الفترة المقبلة.
ولا تقتصر عمليات التقليص على العمالة الميدانية فحسب، بل تمتد إلى فرق إدارية وفنية، في ظل إعادة تقييم شاملة لنطاق المشروع وأولوياته، بعد أن اصطدمت الرؤية الأصلية لنيوم بواقع مالي وتنفيذي أكثر تعقيدًا مما جرى الإعلان عنه عند إطلاق المشروع عام 2017.
ويرى مراقبون أن التوازي بين تشديد الرقابة الإدارية وتسريح الموظفين يكشف عن مرحلة جديدة في إدارة نيوم، عنوانها تقليص الطموحات وضبط الخسائر، لا توسيع الاستثمار أو تسريع الإنجاز.
فبدل الحديث عن مدن مستقبلية بطول 170 كيلومترًا وملايين السكان، بات التركيز منصبًا على إعادة الهيكلة والحوكمة واحتواء التداعيات المالية.
ورغم أن نيوم وصندوق الاستثمارات العامة لم يعلنا رسميًا عن تغيير جوهري في الرؤية، فإن هذه التطورات تعكس، عمليًا، اعترافًا غير مباشر بإخفاق النموذج الأصلي للمشروع، الذي استند إلى تصورات هندسية ومالية شديدة الطموح، دون أرضية واقعية كافية.
وكان المشروع قد تحول خلال السنوات الماضية إلى منجم إنفاق ضخم لشركات استشارات وهندسة عالمية، في وقت تزايدت فيه الشكوك حول الجدوى الاقتصادية، وتكررت التقارير عن ضغوط داخلية، واستقالات، وتجاوزات إدارية، وانفصال بين الخطاب الدعائي والواقع على الأرض.
ويأتي استحداث قسم رقابي جديد في سياق محاولة استعادة السيطرة بعد مرحلة من التوسع غير المنضبط، خصوصًا مع تصاعد الضغوط على المالية السعودية، وتراجع هوامش الإنفاق، والتزامات ضخمة أخرى تفرضها مشاريع مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
وتعكس التطورات الأخيرة حقيقة أن نيوم لم يعد يُدار كمشروع استثماري بحت، بل كـملف سياسي-سيادي حساس، يتطلب رقابة مباشرة وتنسيقًا دائمًا مع الدولة، في ظل خشية واضحة من تحوله إلى عبء مالي وإعلامي على القيادة السعودية.
وبينما يُعاد ترتيب الإدارة وتضييق هامش الحركة داخل المشروع، يدفع العمال والموظفون ثمن هذا التحول عبر التسريح وفقدان الوظائف، دون شفافية بشأن مستقبلهم أو مصير المشروع ككل.
وفي المحصلة، تكشف خطوة إنشاء قسم رقابي جديد في نيوم، بالتزامن مع تسريحات واسعة، عن مرحلة انكماش حذرة لمشروع جرى تسويقه بوصفه “مدينة المستقبل”، لكنه بات اليوم عنوانًا لإدارة الأزمات، وضبط الطموحات، ومحاولة الحد من الخسائر السياسية والمالية، أكثر من كونه نموذجًا للتحول الاقتصادي الموعود.