من نيوم إلى جدة سنترال: حقوق الإنسان الغائب الأكبر عن ترشيح السعودية للمونديال

كشف تقرير حديث صادر عن منظمات من المجتمع المدني عن وجود “قصور خطير” في معالجة قضايا حقوق الإنسان ضمن ملف ترشيح السعودية لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034، محذرًا من أن تنظيم البطولة في ظل الأوضاع الحالية قد يفتح الباب أمام “انتهاكات واسعة النطاق” ويمنح غطاءً دوليًا لسياسات قمعية مستمرة.
ووفق التقرير، فإن العرض السعودي “يفشل بشكل واضح” في تلبية متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) المتعلقة بحقوق الإنسان، ولا يرقى إلى مستوى المعايير التي يفترض أن تلتزم بها الدول المرشحة لاستضافة واحدة من أكبر الفعاليات الرياضية في العالم.
واعتبر معدّو التقرير أن أوجه القصور الواردة في ملف الترشيح لا تمثل مجرد ثغرات تقنية، بل تشكل خطرًا مباشرًا على حقوق الإنسان، وقد تسهم في إضفاء شرعية رياضية وسياسية على ما وصفوه بـ”الحكم القمعي” للسلطات السعودية.
وأشار التقرير إلى توثيق انتهاكات فعلية لحقوق الإنسان في موقعين رئيسيين من مواقع البطولة المقترحة، هما مشروع نيوم العملاق على ساحل البحر الأحمر، ومشروع “جدة سنترال”.
ولفت إلى أن هذه الانتهاكات تشمل الاستيلاء على الأراضي، والإخلاء القسري، وتهجير السكان، وهي ممارسات قالت منظمات حقوقية دولية إنها وقعت بالفعل، وليست مجرد مخاطر محتملة.
وانتقد التقرير بشدة محدودية تركيز ملف الترشيح السعودي على قضايا حقوق الإنسان، معتبرًا أن الإشارات الواردة فيه سطحية ولا تعكس التزامًا جديًا بسياسات الفيفا ومعاييرها المعلنة.
وأوضح أن عددًا من منظمات حقوق الإنسان، من بينها منظمة العفو الدولية، قدّمت انتقادات تفصيلية للملف، محذّرة من تجاهله المنهجي لجذور الانتهاكات القائمة.
كما تناول التقرير ما يُعرف بـ”التقييم السياقي المستقل” الذي أعدته شركة AS&H Clifford Chance بطلب من الجهات المعنية، معتبرًا أنه لا يمكن تصنيفه كتقييم “مستقل حقًا”.
وأشار إلى أن إحدى عشرة منظمة من منظمات المجتمع المدني كانت قد انتقدت هذا التقييم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ووصفت نتائجه بأنها “ضعيفة بشكل صادم”، وتعتمد على قراءة انتقائية ومتساهلة للواقع الحقوقي في المملكة.
وأوضح التقرير أن “استراتيجية حقوق الإنسان” التي أعلنها الاتحاد السعودي لكرة القدم تستند في الأساس إلى هذا التقييم المثير للجدل، وتقدّم “صورة وردية وغير نقدية” للتدابير المتصلة بحقوق الإنسان، من دون معالجة جوهرية للمخاطر البنيوية القائمة، سواء في التشريعات أو في الممارسات الفعلية على الأرض.
وفيما يخص تقرير تقييم ملف الترشيح الصادر عن الفيفا، قال التقرير الحقوقي إنه يقلل من شأن المخاطر المحتملة على حقوق الإنسان المرتبطة بالبطولة، ويتعامل معها بوصفها تحديات قابلة للاحتواء من خلال التعهدات المستقبلية.
واعتبرت منظمات حقوقية عدة أن هذا التقييم يشكل نوعًا من “التستر” أو التغاضي عن انتهاكات معروفة وموثقة، بدلًا من مواجهتها بشروط صارمة وملزمة.
وسلّط التقرير الضوء على مجموعة من المخاوف الرئيسية التي تحيط بتنظيم كأس العالم في السعودية، في مقدمتها حقوق العمال، حيث حذّر من أن سجل الانتهاكات العمالية القائم، مقترنًا بحجم مشاريع البنية التحتية المطلوبة للبطولة، يخلق “مخاطر جسيمة” للاستغلال، واحتمال وقوع وفيات “على نطاق واسع”، على غرار ما شهدته دول أخرى استضافت بطولات كبرى من دون إصلاحات جذرية.
كما أبرز التقرير مخاطر الاستيلاء على الأراضي والإخلاء القسري والتهجير، مؤكدًا أن “انتهاكات جسيمة” وقعت بالفعل في نيوم وجدة سنترال، ومذكّرًا بتقارير سابقة لمنظمة هيومن رايتس ووتش تحدثت عن مزاعم تهجير قسري للسكان المحليين في إطار هذه المشاريع.
وتطرق التقرير إلى القيود المشددة على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، بما في ذلك تجريم أنشطة حقوق الإنسان والعمل الصحفي المستقل، معتبرًا أن هذا المناخ القمعي يفاقم المخاطر في سائر المجالات الحقوقية، ويمنع أي رقابة حقيقية أو مساءلة.
كما أشار إلى أن التمييز، سواء على أساس الجنس أو الدين أو الهوية أو الميول الجنسية، لا يزال قائمًا، إلى جانب محدودية الوصول إلى العدالة نتيجة إطار قانوني غير واضح، ونظام عدالة جنائية يفتقر إلى الشفافية ولا يتماشى مع المعايير الدولية.
وختم التقرير بدعوة صريحة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم لمراجعة تقييمه لملف الترشيح السعودي، والتوقف عن الاكتفاء بالتعهدات العامة، وضمان التزام أي دولة مضيفة بمعايير واضحة وملزمة لحماية حقوق الإنسان قبل منحها شرف استضافة البطولة، محذرًا من أن تجاهل هذه التحذيرات سيحوّل كأس العالم 2034 إلى أداة لتلميع الانتهاكات بدلًا من أن يكون حدثًا رياضيًا جامعًا.




