
في مشهد كان حتى وقت قريب من المحرمات الاجتماعية، يعود أسلوب المواعدة العلنية إلى الفضاء العام في السعودية، لا عبر الصالونات العائلية ولا تحت مظلة الخطوبة، بل عبر تطبيقات رقمية ومقاهٍ مختلطة وفعاليات ترفيهية صاخبة.
ويقدم هذا التحول، الذي رصدته وول ستريت جورنال، رسميًا بوصفه «تحديثًا اجتماعيًا»، لكنه عند كثيرين يُقرأ باعتباره نشرًا للإفساد وتفريغًا تدريجيًا لهوية بلاد الحرمين من ضوابطها الأخلاقية.
وأثناء التمرير السريع على تطبيق Tinder داخل السعودية، تظهر ملفات تخفي الوجوه وتعرض تفاصيل يومية حميمة: قهوة، تنس، سفر، ورموز لا لبس فيها لعلاقات عابرة.
في المقابل، يعرض بعض الرجال وجوههم بملابس تقليدية، فيما يكتفي آخرون بإشارات مختصرة تُفهم في سياق «المواعدة السريعة». هذا العالم لم يعد هامشيًا؛ ملايين التنزيلات خلال خمس سنوات، وإيرادات تُقدر بنحو 16 مليون دولار من المشتريات داخل التطبيقات، وفق بيانات شركات تتبع السوق.
ووصفت الصحيفة التحول بأنه جذري قياسًا على عقدٍ مضى، حين كانت العلاقات تُدار بعناية عائلية صارمة، وأي تعارف قبل الزواج يُعد خرقًا اجتماعيًا. اليوم، تُرى مجموعات مختلطة في مقاهٍ عصرية بالرياض وجدة، وتُنسج العلاقات في مهرجانات ترفيهية ضخمة مثل «موسم الرياض».
ومع تراجع حضور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشارع، تلاشى الردع الذي كان يحد من المجاهرة بهذه السلوكيات.
وتقف خلف هذا المسار رؤية سياسية يقودها ولي العهد محمد بن سلمان عبر رؤية 2030، التي تسعى إلى «تحديث الصورة» وجذب السياحة والكفاءات وتقليل الاعتماد على النفط.
عمليًا، شمل ذلك تقليص نفوذ الشرطة الدينية، السماح بالسينما والحفلات، تخفيف الفصل بين الجنسين في المطاعم، بل وتخفيف قيود على الكحول بهدوء.
غير أن النتيجة الاجتماعية تبدو، في نظر منتقدين، انزلاقًا متسارعًا نحو تسليع العلاقات وتطبيع أنماط غريبة عن مجتمع يتبوأ موقعًا فريدًا بوصفه حارسًا لأقدس بقاع الإسلام.
وفي عيد الحب، الذي كان بيع رموزه يُحارب سابقًا، تُباع الورود والهدايا بحرية، وتسوق فنادق فاخرة «باقات رومانسية». أما أماكن المواعدة، فبين مقاهٍ «متسامحة» تُعرف بالهمس، ومواعيد داخل سيارات بزجاج مظلل في دوائر أكثر محافظة.
النساء ومستخدمو مجتمع الميم يتحملون وطأة الوصم الأكبر، فيحجبون الوجوه ويستعيضون بصور رمزية. ورغم شيوع السلوك، يقر كثيرون بشعور العار، ويتردد بعض الرجال في الزواج بمن تعرفوا إليهن عبر هذا المشهد.
والمفارقة أن القانون لم يتغير جذريًا. فالنظام القضائي القائم على الشريعة لا يزال يجرم الجنس خارج الزواج والمثلية الجنسية. ورغم انخفاض وتيرة الملاحقات، يبقى سيف العقوبات—من الجلد إلى السجن—مسلطًا نظريًا.
ويصف باحثون هذا الوضع بـ«المنطقة الرمادية»: ما يُتسامح معه اجتماعيًا أوسع بكثير مما هو مكفول قانونًا، ما يخلق هشاشة واستنسابية تُعرض الأفراد للابتزاز والخوف.
والقلق لا يقتصر على المتدينين. فحتى داخل العائلات المحافظة، يُسجل تشددٌ مضاد لسد الفراغ الذي تركته الدولة بانسحابها من إنفاذ القيود. يخشى هؤلاء أن تتحول السعودية إلى نموذج شبيه بالإمارات في تدفق الكحول، وتطبيع الدعارة المقنعة، والتمهيد للقمار—سيناريو يُعد، بالنسبة لكثيرين، تجاوزًا للخط الأحمر لهوية البلاد ومكانتها الدينية.
ويقول مختصون إن التحول «الفوقي» السريع من قيود شديدة إلى انفتاح واسع دون إطار قيمي وقانوني واضح يولد ارتباكًا اجتماعيًا. التطبيقات ليست سوى أداة؛ المشكلة في المسار الذي يُكافئ الاستهلاك واللذة السريعة، ويُهمش منظومة الزواج والأسرة، ويحول العلاقة الإنسانية إلى منتج قابل للتمرير.
وختمت الصحيفة بأن ما يُسوق بوصفه تحديثًا يثير أسئلة وجودية عن ثمن «الانفتاح» عندما يُدار بلا ضوابط، وعن مسؤولية الدولة في حماية النسيج الاجتماعي لا تفكيكه. في بلاد الحرمين، حيث الرمزية الدينية ليست تفصيلاً، يبدو فتح بوابة المواعدة العلنية اختبارًا قاسيًا: إما إصلاحٌ يحفظ القيم، أو تسارعٌ نحو إفسادٍ تُدفع كلفته اجتماعيًا وأخلاقيًا لسنوات قادمة.